تُشكل المخطوطات في دولة الإمارات ركيزة أساسية لصون الذاكرة الوطنية، إذ تمثل الوعاء الفكري الذي يوثق التراث العربي والإسلامي ويحفظ ملامح الهوية الثقافية من التحريف أو الاندثار.
ومن خلال ما تحمله من معارف وتجارب إنسانية، تبقى هذه المخطوطات جسراً معرفياً يربط الأجيال بجذورهم وحضارتهم، ومصدراً يعزز الانتماء ويُرسخ الوعي بالموروث الحضاري.
وفي هذا السياق، تفتح جامعة الإمارات العربية المتحدة أمام الجمهور، نافذة تطل على مخطوطات نادرة تشكل شواهد حية على مجد حضاري لم يغب، حيث تمتزج أسرار الفلك والعلوم التطبيقية بسحر لغة الضاد، لتنسج معاً قصة الهوية والذاكرة المستدامة التي قاومت النسيان، وجاءت لتروي للأجيال تفاصيل العبقرية العربية.
ففي معرض «المخطوطات: هوية وتنمية مستدامة»، الذي أقيم بالتعاون بين جامعة الإمارات العربية المتحدة و«بيت الحكمة» تتنفس الحروف عبق التاريخ، وتستيقظ المعرفة من غفوة القرون، لتعلن أن المداد الذي خطّه العلماء الأوائل لا يزال ينبض بالحياة.
وأكدت مهرة القصير، المتحدثة باسم «بيت الحكمة» في الشارقة، في تصريح لـ«البيان»، أن معرض «المخطوطات: هوية وتنمية مستدامة»، يأتي بوصفه المحطة الختامية لجولة ثقافية موسعة شملت عدداً من الوجهات في مختلف إمارات الدولة، أطلقتها جامعة الإمارات احتفاءً بإرثها الأكاديمي المعرفي الممتد على مدى 5 عقود منذ تأسيسها.
وأوضحت أن المعرض يفتح أبوابه للجمهور على مدار 10 أيام، متيحاً لهم فرصة استثنائية للاطلاع واكتشاف مخطوطات علمية نادرة وثمينة من المقتنيات الخاصة بالجامعة.
مشيرةً إلى أن الحدث يهدف بشكل رئيس إلى تسليط الضوء على القيمة العلمية والحضارية الكبيرة التي تكتنزها هذه المخطوطات، باعتبارها مصدراً أصيلاً وملهماً للمعرفة الإنسانية، وشاهداً حياً على الإسهامات الجليلة التي قدمها العلماء عبر التاريخ، فضلاً عن كونها جسراً يربط بين الأصالة والمعاصرة، وبين الماضي والحاضر في مختلف ميادين العلوم المعرفية.
وأكدت عائشة علي الصفداني، الطالبة بجامعة الإمارات في تخصص العلوم السياسية، أن المعرض ينقسم بصورة عامة إلى ثلاثة أقسام رئيسة تشمل: العلوم التطبيقية، وعلوم الفلك، واللغة العربية وآدابها، حيث يضم كل قسم باقة متنوعة من المخطوطات التاريخية.
مشيرةً إلى أن قسم العلوم التطبيقية يستعرض مخطوطات متخصصة في مجالات الطب، والهندسة، والرياضيات، والزراعة، والكيمياء، في حين يتناول قسم اللغة العربية محاور متعددة تشمل النحو، والبلاغة، والشعر، والأدب والنقد، وأن هذه المؤلفات صِيغت بأيدي علماء عرب وتعود إلى عصور قديمة.
ولفتت الصفداني إلى أن المعرض يمثل فرصة رائعة للباحثين والمهتمين بالحقل العلمي والبحثي؛ إذ تتيح المخطوطات المعروضة فرصة الاطلاع على البدايات الأولى للأبحاث والعلوم التطبيقية، فضلاً عن التعرف إلى الأساليب التاريخية للتشخيص والعلاج الطبي.
وتطور النماذج الرياضية، وأساليب الحصر والقياس والتقنيات القديمة، منوهةً بأن المعرض يعكس بجلاء تنوع المجالات العلمية والأدبية التي أسهمت في تعزيز مسارات التعلم والاكتشاف وتبادل المعرفة عبر العصور.
وشدد خليفة سعيد الزعابي، الطالب بجامعة الإمارات في تخصص هندسة الطيران، على الأهمية العلمية والثقافية التي يضمّها القسم الأول من المعرض الذي يضيء على الهوية اللغوية والتاريخية للإرث العربي.
موضحاً أن هذا القسم يستعرض تشكيلة فريدة ومميزة من المخطوطات التاريخية التي توثق بدقة مراحل تطور اللغة العربية وآدابها عبر العصور، وأن المعروضات لا تقتصر على النصوص الأدبية فحسب، بل تشمل ما ارتبط باللغة من علوم حيوية كالتعبير، والكتابة، والشعر، إضافة إلى البلاغة والنقد الأدبي.
وأشار الزعابي إلى أن المخطوطات تغطي أيضاً جوانب تأسيسية وقواعدية مهمة في مجالات النحو والصرف، إلى جانب العديد من العلوم والفروع الأخرى التي تبحر في تفاصيل لغة الضاد.
لافتاً إلى القيمة الاستراتيجية لهذه المجالات المعرفية التي شكلت على مر التاريخ أدوات أساسية وجوهرية للتواصل الإنساني، ونقل المعرفة بين الأجيال، فضلاً عن دورها الرئيس في حفظ التراث الفكري والثقافي للأمة.
ثراء معرفي
من جانبها، أوضحت عائشة الكتبي، الطالبة بجامعة الإمارات في تخصص الإدارة والاقتصاد، أن الثراء الأكاديمي والتنوع المعرفي البارز الذي يشهده قسم العلوم التطبيقية يمثل ركيزة أساسية في إعداد الكوادر الطلابية وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة.
وبينت الكتبي أن مجالات المعرفة العلمية والتطبيقية في القسم تتسم بتعددية واسعة تشمل قطاعات حيوية ومختلفة، مثل الطب، والهندسة، والرياضيات، والكيمياء، إضافة إلى علوم الزراعة.
مشيرةً إلى أن المناهج والمساقات المطروحة تضيء بشكل جلي على التطور التاريخي والمنهجي لأساليب العلماء، إذ تركز على كيفية انتقال البحث العلمي من مراحل الملاحظة الدقيقة والتجربة العملية، وصولاً إلى مرحلة تطوير المعرفة العلمية الشاملة وتطبيقاتها على أرض الواقع، بما يواكب الطفرة العلمية العالمية.