حين يدخل الزائر إلى معرض أعمال الفنان الأمريكي جيمس تيريل يجد نفسه داخل فضاء مضيء، في البداية يبدو الأمر بسيطاً، يجد غرفة مضاءة بلون واحد، أو فتحة في السقف تكشف السماء، لكن مع البقاء داخل العمل، لتبدأ العين في الشك بما تراه، حين تغمره الألوان والضوء، ويفقد تدريجياً الإحساس بالمسافة والعمق.

اللافت في تجربة تيريل أن العمل لا يكتمل من دون المتلقي، لكننا كمشاهدين لأعماله الممتلئة في محرك البحث غوغل يصعب أحياناً شرح أعماله بالمشاهدة وحدها، وكذلك الزائر لمشاهدة أعماله والمرور عليها سريعاً لن يكون لدينا سوى علامات استفهام، ما عدا الزائر المتذوق للفن المعاصر، فإنه يتأمل داخل اللوحة، كما هي عادة المتذوق، لأن عينه تبدأ تدريجياً في التقاط اختلافات الضوء والألوان، حتى يتحول صمته البصري إلى حالة تأمل.

لهذا يصعب أحياناً شرح أعماله بالصور وحدها، خاصة لتجار الفن، والمستثمرين في اقتناء شروط السوق، فالصورة تنقل لهم الشكل، لا الإحساس، سوى للمتذوقين المتأملين وهم يفقدون العمق بالتدريج، حتى يأتي التحول البطيء في الإدراك، وهنا تكمن فرادة هذا النوع من الفن.

قدم جيمس تيريل فن الصورة المركبة، ليقدم موضوعاً للإدراك وليس من أجل التفسير، لتبقى التجربة حسية حقيقية، تدفع الإنسان إلى التساؤل عن معنى الرؤية نفسها، في الفضاء، وفي العُلا حيث النور. في هذا السياق، يتحول الضوء من عنصر تقني إلى مادة فنية كاملة.

من أشهر مشاريعه «رودن كريتر»، وهو فوهة بركانية ضخمة في صحراء أريزونا الأمريكية، حوّلها منذ سبعينيات القرن الماضي إلى مشروع بصري هائل لمراقبة السماء والضوء والظواهر الفلكية.

بعد أن تعامل مع الفوهة كأداة لرؤية الكون بطريقة مختلفة، حيث يصبح تغير الضوء خلال النهار جزءاً من العمل الفني نفسه، وخلق مادة قادرة على بناء الفراغ، وتغيير الإحساس بالمكان، وكشف أن ما نراه ليس ثابتاً كما نظن، بل تجربة يصنعها العقل والعين معاً.

جيمس تيريل اليوم يبلغ من العمر 83 عاماً، ويُعد أحد أبرز فناني حركة الضوء، لأنه بطبيعة الحال منحنا التوتر البصري، في وقتنا الحاضر، وبين الضوء الطبيعي والصناعي، تُعد تجربته جوهر العمل الفني، منذ بداياته في الستينيات حين عنون أعماله بـ«الضوء والفضاء»، وكلها كانت قائمة على عناصر باتجاه الضوء، لتصبح عناصر فنية قائمة بذاتها، معبراً عن النور كوسيلة لإظهار العمل الفني.

أعمال تيريل تعيد تشكيل إدراك المتلقي للمكان، وأحياناً يشعر المشاهد أن بإمكانه لمس الضوء، أو السير داخله، وكأن المكان فقد حدوده المادية، في مقابلة معه في إحدى الصحف، علّق: «العين البشرية تحتاج دائماً إلى حواف وظلال لتحديد العمق والمسافة».

انغماس بعالم تتلاشى فيه الحدود بين الجسد والفضاء والضوء

وكأن المكان فقد حدوده المادية

حواف وظلال لتحديد العمق والمسافة

جيمس تيريل سيد الضوء والفضاء

فضاء وردي وتحويل الصمت البصري إلى تأمل