على مدى أكثر من 40 عاماً، عبرت العلاقات الإماراتية الصينية مسافات واسعة من التعاون، بدأت بالموانئ والتجارة والاستثمار، قبل أن تمتد إلى التكنولوجيا والابتكار والطاقة. واليوم، يبدو أن الكتاب يفتح فصلاً جديداً في هذه الشراكة المتنامية، حيث تتقدم الثقافة والمعرفة لتحتلا مكاناً متزايد الأهمية في مسار العلاقة بين البلدين.

ويأتي اختيار دولة الإمارات ضيف شرف معرض بكين الدولي للكتاب 2026 بوصفه تتويجاً لهذا التحول، ودليلاً على أن جسور التواصل بين البلدين لم تعد تُبنى بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بالكتب والترجمة والحوار الحضاري.

فمن مكتبات تستضيف الفعاليات الفكرية وتحتفي بالأدب الصيني إلى مؤسسات ثقافية تعمل على توسيع آفاق الترجمة والتبادل المعرفي، وصولاً إلى شراكات إبداعية تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من العلاقات الإماراتية الصينية عنوانها الثقافة.

ويؤكد عدد من المسؤولين والمثقفين أن الثقافة والكتاب باتا يشكلان رافعة جديدة للعلاقات الإماراتية الصينية، التي انتقلت خلال العقود الأربعة الماضية من التعاون الاقتصادي إلى شراكة استراتيجية تشمل المعرفة والترجمة والتبادل الحضاري.

محمد المر

وأكد معالي محمد أحمد المر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، في تصريح لـ«البيان»، أن العلاقات الإماراتية الصينية شهدت خلال أكثر من أربعة عقود تطوراً متسارعاً وشاملاً، لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاستراتيجية، بل امتد ليشمل أبعاداً ثقافية ومعرفية متنامية أصبحت اليوم ركناً أساسياً في الشراكة بين البلدين.

وأوضح أن وجود نحو 300 ألف صيني في دبي يعكس عمق الحضور الصيني في المجتمع الإماراتي، ويجسد نموذجاً حياً للتعايش والتفاعل الثقافي بين الشعبين، مشيراً إلى أن هذا التقارب الإنساني أسهم في خلق حالة من الانصهار الثقافي الإيجابي.

حيث أصبحت ملامح الثقافة الصينية جزءاً من المشهد اليومي في الإمارات، بالتوازي مع تنامي اهتمام المجتمع الصيني بالتعرف إلى الثقافة الإماراتية والعربية وقيمها وتراثها.

وأشار إلى أن مكتبة محمد بن راشد حرصت خلال السنوات الماضية على تنظيم واستضافة العديد من الفعاليات والبرامج الثقافية التي تسلط الضوء على الحضارة الصينية، وتفتح آفاق الحوار والتبادل المعرفي بين الثقافتين.

لافتاً إلى أن المكتبة استقبلت وفوداً ثقافية وأكاديمية صينية، واحتضنت معارض وندوات وفعاليات متنوعة أتاحت للجمهور فرصة التعرف إلى الأدب والفنون والفكر الصيني، بما أسهم في بناء جسور مستدامة من التفاهم والتقدير المتبادل.

نموذج متقدم

هالة بدري

من جانبها، أكدت هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، أن العلاقات الإماراتية الصينية تمثل نموذجاً متقدماً للعلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة.

منوهة بأن ما حققه البلدان من تقدم على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي خلال العقود الأربعة الماضية انعكس بصورة واضحة على مسارات التعاون الثقافي والمعرفي، التي تطورت من برامج للتبادل الثقافي إلى مبادرات معرفية وإبداعية وشراكات مؤسسية تسهم في توسيع مجالات التعاون وتعزيز حضور الثقافة بوصفها رافداً للتنمية ووسيلة فاعلة للتقارب بين المجتمعات.

وقالت: «تمثل مشاركة دولة الإمارات ضيف شرف في معرض بكين الدولي للكتاب 2026 فرصة نوعية لتسليط الضوء على ثراء المشهد الثقافي المحلي، واستعراض ما حققته الدولة من إنجازات نوعية في مجالات الفنون والأدب والنشر، والترجمة، والصناعات الثقافية والإبداعية.

كما تتيح هذه المشاركة إبراز حضور المبدعين الإماراتيين على الساحة الدولية، وبناء شراكات جديدة مع المؤسسات والمراكز الثقافية، بما يدعم نمو الاقتصاد الإبداعي ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون الثقافي والمعرفي بين البلدين».

وأضافت: «يمثل «البيت الإماراتي» مساحة للتعريف بالتجربة الثقافية الإماراتية وإبراز تنوعها، كما يعد محطة مهمة ضمن مسارات التعاون الإماراتي الصيني القائمة على الاستثمار في الإنسان والمعرفة والإبداع، ويجسد إيمان البلدين بأهمية الثقافة بوصفها جسراً للتواصل وبناء الثقة والتقارب».

وأشارت بدري إلى أن استدامة الأثر الثقافي تتطلب الانتقال من مفهوم المشاركة في الفعاليات الموسمية إلى بناء منظومة تعاون طويلة المدى تقوم على المشاريع المشتركة في المعرفة والطاقات الإبداعية.

موضحة أن الصناعات الثقافية والإبداعية تمثل أحد أبرز المسارات الواعدة لتوسيع الشراكة بين البلدين من خلال دعم التعاون في مجالات النشر والترجمة والمحتوى الإبداعي والتراث، إلى جانب برامج دعم التبادل بين الكتّاب والفنانين وأصحاب المواهب، وإطلاق مبادرات للإقامات الإبداعية.