تأخذنا رواية «ابن برخيا» للكاتب فارس صالح في رحلة روحانية وفكرية عميقة، مستلهمة من شخصية «آصف بن برخيا»، الوزير العالم في بلاط النبي سليمان عليه السلام، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم بصفته «الذي عنده علم من الكتاب»، فجاء بعرش بلقيس من سبأ إلى بيت المقدس في لمح البصر، ولا يقدم صالح مجرد سرد تاريخي، بل ينسج حكاية تتجاوز الزمان والمكان، غائصاً في أسرار المعرفة الإلهية، والقدرات الخارقة، والعلاقة المعقدة بين الإيمان والعلم.

وتتميز الرواية بأسلوبها السردي الذي يمزج بين الواقعية التاريخية والخيال الفانتازي، ما يخلق عالماً فريداً يشد القارئ، إذ تبدأ القصة في بني إسرائيل، وتتتبع مسيرة آصف بن برخيا منذ شبابه، كاشفة عن نشأته وتلقيه العلم الذي ميز.

وتبرز شخصية آصف كعالم شاب في بلاط النبي داوود، ثم أميناً ووزيراً وصديقاً لابنه سليمان، وهذا التدرج في الشخصية يسمح للكاتب باستكشاف أبعاد مختلفة للعلم والحكمة، وكيف يمكن أن يكون العلم وسيلة لإظهار الحق وإقامة العدل.

آيات ومعجزات

وتتوقف الرواية طويلاً عند الآيات القرآنية التي تتحدث عن مُلك سليمان وما آتاه الله من علم وتسخير، مثل فهم منطق الطير وتسخير الريح والجن، وهذه القصص عندما تُقرأ في سياقها الروائي، تفتح باباً للتفكر في معنى العلم اللدني الذي يمنحه الله لعباده، وكيف يتجلى في قدرات تتجاوز الفهم البشري المعتاد.

ويركز صالح على قصة إحضار عرش بلقيس، وهي اللحظة المحورية التي تُبرز قوة آصف بن برخيا وعلمه الاستثنائي، متغلباً بذلك على عفاريت الجن بقدرة إلهية، وتجعل هذه التفاصيل الدقيقة الرواية مثيرة حقاً، وتدفع القارئ للتأمل في حدود الممكن واللا ممكن.

والرواية ليست مجرد حكاية دينية، بل هي دعوة للتأمل في سيرة النبيَّين داوود وسليمان، وكيف ورث سليمان العلم والملك معاً، كما تتطرق إلى قصص أخرى مثل قصة طالوت وجالوت، ما يربط الأحداث بسياق تاريخي وديني أوسع.

حيث ينجح فارس صالح في خلق جو روحي وفكري يدفع القارئ للتوقف عند معاني القدرة الإلهية والحكمة الربانية في هذه القصص العظيمة، ويجعله يتفكر في دلالاتها العميقة.

عمق أدبي وفكري

من الناحية الأدبية، تتميز الرواية بلغة عربية فصحى راقية، وبناء سردي متماسك يحافظ على التشويق والإثارة، فالشخصيات مرسومة بعناية، وتفاعلاتها تعكس صراعات داخلية وخارجية تتناسب مع طبيعة القصة، وهي رواية عميقة تجسد تجربة غامرة تدعو إلى التفكير في العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين القدرة الإلهية والقدرة البشرية.

وتذكرنا بأن هناك أسراراً في هذا الكون تتجاوز إدراكنا، وأن العلم الحقيقي هو الذي يقود إلى الإيمان والتواضع أمام عظمة الخالق. وهو عمل أدبي يثري الروح والفكر، ويقدم قراءة جديدة لشخصية تاريخية ودينية محورية، ما يجعلها إضافة قيمة للمكتبة العربية المعاصرة، ويبرع الكاتب في رسم صورة حية لعالَم النبي سليمان.

حيث تتداخل العوالم الروحية والمادية، وتتجسد القدرات الخارقة كجزء لا يتجزأ من النسيج الوجودي، كما تتجلى في الرواية ثنائيات عميقة مثل الخير والشر، النور والظلام، الإيمان والكفر، وكيف تتصارع هذه القوى في نفس الإنسان .

وفي الكون بأسره، كما يطرح صالح أسئلة فلسفية حول طبيعة المعرفة، ومصدرها، وكيف يمكن للإنسان أن يكتسبها ويستخدمها، وهل العلم مجرد تراكم للمعلومات، أم هو بصيرة تمنحها عناية إلهية؟ وكيف يمكن للعلم أن يكون سيفاً ذا حدين، يستخدم للخير أو للشر؟

وهكذا، لا تكتفي رواية «ابن برخيا» بتقديم حكاية آسرة، بل تدعو القارئ إلى استكشاف عوالم المعرفة الخفية، والتساؤل عن حدود الإدراك البشري أمام القدرة الإلهية، إنها تترك في النفس صدى عميقاً، محفزاً للتأمل في العلاقة بين العلم والإيمان، وبين المادة والروح، ليخرج القارئ من صفحاتها محملاً بأسئلة وجودية تتجاوز مجرد السرد، ليعيد النظر في مفهومه عن الحكمة، والقوة، ومسؤولية الإنسان تجاه ما يكتسبه من علم، فهي دعوة لاستشراف آفاق جديدة للفهم، وإعادة اكتشاف الجمال الكامن في أسرار الكون، ما يجعلها إضافة ثرية للمشهد الأدبي والثقافي معاً.