الأمريكي سول ليويت (1928 - 2007 م)، من أهم الفنانين الذين أحدثوا ثورة في الفن المعاصر، مُركزاً على الفكرة وأهميتها، وعلى المفهوم نفسه، فكانت أعماله تبدو بسيطة، من خطوط مرسومة على الجدار، وأشكال هندسية متكررة، دون أن نجد مهارة الرسم التقليدي التي تستعرض نفسها، ولا صورة مكتملة تنتظر التأمل.

في البداية راقب النقاد ماهية أفكاره؟ ليجدوا أنه - غالباً - لديه تفاصيل دقيقة، وعدد من الخطوط، واتجاهاتها، ونقاط التقاطع، أو طريقة توزيع الأشكال.. ليأتي التنفيذ لاحقاً، حتى إنه من الممكن أن يقوم به أي شخص غيره، لمجرد اتباع هذه التعليمات وتلك التفاصيل، فتميز سول ليويت عن غيره من الفنانين أنه نقل العمل الفني من كونه أثر يد، إلى كونه نظاماً يمكن تكراره من خلال آخرين.

ومن سؤال النقاد إلى الجمهور وحتى نحن المشاهدين لِفَنّه، نتساءل: كيف يمكن أن تكون الفكرة هي العمل الفني؟ لا الفنان الذي ينفذها؟ وقبل أن نتأمل أعماله، لا نستطيع أن ننكر أن سول ليويت قام بتحويل تعريف علاقتنا بالفن.

فاللوحة لديه لم تعد اللحظة الفريدة المرتبطة بالفنان، بل الفكرة التي يمكن أن تظهر في أي مكان وبأكثر من تنفيذ ومنفذ، دون أن تفقد هويتها، وهذا يعني لنا أن الأصل هنا ليس امتلاكاً للفنان وحده من حيث الملكية الإبداعية، وأن النسخة الأولى من اللوحة أو المنحوتة أو أي عمل فني.. ما هو إلا تذوق لنظام تم إنتاجه، إن تبعنا تعاليم الخطة.

وفي هذا الإطار، من يشارك في هذه الفكرة المنظمة، يجد نفسه غير مهتم بالتعبير الفردي، بقدر شعوره بالانتظام الداخلي الجماعي، وهو شعور في غاية الأهمية للإنسان في حياته وعمله، فكل خط ينتمي إلى قاعدة، وكل تكرار يخضع لمنطق محدد، والعين تتحرك عبر بنية واضحة، أشبه بخريطة تُقرأ بصرياً.

نفهم من خلال أعماله حتى هذه اللحظة، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنه اختار القيمة المرتبطة بالأسلوب الشخصي والأثر المباشر باليد، وابتدع الفكرة، لأنها أصل الفن، ولأنها العنصر الأكثر أهمية في العمل، في حين أن الصورة نتيجة لا هدف، ليُعد اليوم رائد الفن المفاهيمي والتبسيطي.. وبناء على ذلك نستشف من أعماله الجدارية الهائلة أن الفكرة هي الآلة، وأن الفن منظومة، ولا وجود إلى النزعة الشخصية للفنان، بل تعليمات مكتوبة ينفذها الجميع.

من أقواله المعروفة: «افعل فقط، وتوقف عن القلق والشك، وتجاهل آراء العالم، وركز على عقلك كأهم أداة للإنتاج الفني».

رحل ليويت، وترك أكثر من 1200 عمل جداري، طبقت بعضها من خلال آخرين كما أراد، كما تتميز أعماله بأنها مؤقتة وقابلة لإعادة التنفيذ، أما المنحوتات التي تركها فهي هياكل هندسية تعتمد على المكعبات المفتوحة، ونظم تكرارية تعبر عن النظام والمنطق.