ماذا يعني لوحة باللون الأزرق الكثيف بلا تدرجات واضحة، بلا خطوط تقود العين، ولا عناصر تتزاحم عليه؟ كان الفنان الفرنسي إيف كلاين يرسم لوحات أحادية اللون، لوحات مستطيلة ومربعة، مستخدماً جميع الألوان، من برتقالي وأخضر وأصفر وأرزق ووردي.. معنوناً معرضه بـ«لوحات إيف»، مجيباً الصحافة المتسائلة أن الألوان لها تأثير نفسي كبير، وفي مرات أخرى، لَمَحَ أن هذا الغموض يناسب توجهه الفني، في خلق مسافة فكرية، مستمراً في إنتاج لوحات بهذا الشكل من الفضاءات الخيالية، حتى عام 1956م، مبتكراً اللون الأزرق الداكن، مبرراً أنه اللون الأكثر كمالاً ورمزاً لتجسيد الحساسية الفردية، بين الامتداد اللانهائي للفضاء والفوري.

واستناداً إلى ما سبق، نشاهد بدورنا اليوم هذه اللوحات الممتلئة باللون الأزرق، الذي يخلق إحساساً معاكساً لما نتوقعه، بدل الفراغ الواسع، وكما يبدو يفتح مجالاً كلما اقتربنا، لنكتشف أن اللوحة مشبعة بمادة متوهجة، والعين تنزلق إلى الداخل حيث اللا نقطة، واللا حدود، واللا قصة.. كما لا يوجد شيء لنفككه، مجرد تكرار بصري، والغرق في لون لن نجده ثابتاً كما نظن، بينما الإحساس يتغير كل حين، بين التعمق والتراجع، والضوء حسب زاوية النظر.. إذن نستطيع أن نقول: تتحول اللوحة إلى صورة، كلما زاد الاقتراب.

لم يعش إيف كلاين طويلاً (-1928 1962م)، غادر الحياة في منتصف عمر الثلاثين، بعد أن جعل من هذا اللون فناً مفاهيمياً، وتقوده الرغبة إلى اختزال العناصر، ليبقى اللون وحده، بعد اهتمامه الطفولي بالفراغ والهواء والفضاء.. وأصبح مشهوراً في الوسط الفني بلونه، وأطلقوا على لوحاته «الأزرق الكلايني»، جاعلاً اللون منتشراً كطاقة، فاتفق معه بعض النقاد على أن لوحاته هي البحث عن معنى، وإدراك داخلي، بالمقابل اختلف معه آخرون، متهمينه بالخداع، وساخرين منه.. خاصة حين أقام معرضاً خالياً من أية لوحة، مكتفياً بالفضاء نفسه، يبيع بمبالغ ضخمة، كعمل فني.

لكن بعد وفاته تحولت اللوحة إلى فكرة وتجربة خالصة تتجاوز المسميات أو التفسير المباشر، وتشير ممارساته الفنية اللونية إلى أن اهتمامه يُحَسّ ويُخْتَبر أكثر من أن يُرى، وخلدوا اللون الأزرق الدولي لكلاين، وصار هويته الأصلية، ولم يتجرأ أحد بعده استخدامه كتجريد فني، لا في الإعلانات أو حتى استخدام البريد، أو أياً كان، إلا بعد موافقة رسمية، وكلما استخدموا لوحاته التعبيرية الزرقاء في معارض دولية، اعتبره النقاد طليعياً ديناميكياً في أسلوبه الذي يحاكي نشأة الكون، ومعماراً هوائياً يستحق التأمل.

الزرقة امتداد لا نهائي للفضاء

الأزرق الكلايني