في المشهد الثقافي الإماراتي الراهن، تبدو الرواية وكأنها تعيش عصرها الذهبي من حيث الكم؛ فالمطابع لا تتوقف، وأروقة معارض الكتب تزدحم بأسماء شابة وتجارب جديدة اختارت السرد فضاء وعشقاً، حتى غدا «زمن الرواية» حقيقة تفرض نفسها بعد أن هجر بعض الشعراء قوافيهم ليلتحقوا بركب الحكاية.

لكن خلف هذا الحضور الكثيف، تبرز مفارقة لافتة؛ فبينما يفيض السوق بالإصدارات التي سهلت ولادتها دور نشر متنوعة تشرع أبوابها، يطل علينا شح المقروئية كظل ثقيل يهدد نضج هذه التجربة. وبينما تظل الرواية الإماراتية قابعة في دوائر محلية، يتساءل المبدعون عن غياب الوعاء الإعلامي الذي يحمل نصوص الروائيين الإماراتيين إلى الفضاء الإنساني الأرحب فيعزز انتشارها وحضورها عربياً وعالمياً.

في هذا الاستطلاع، تفتح «البيان» ملف «سوق الرواية الإماراتية» مع نخبة من الروائيين؛ لتقف على تخوم الأزمة بين طموح الكاتب، وتقاعس بعض دور النشر عن التسويق، وكذا هيمنة محددات الجوائز على معايير النجاح، وصولاً إلى غياب الرواية المحلية عن شاشات الدراما وصالات السينما.

ترى الكاتبة الروائية فتحية النمر أن المشهد الراهن للرواية الإماراتية يمر بمفارقة لافتة تتمثل في وفرة الإنتاج مقابل شح المقروئية، مؤكدة أن ازدياد عدد الروايات الصادرة لا يعني بالضرورة نضج التجربة أو ترسخ حضورها في السوق الثقافي العربي.

وتوضح النمر أن الإنتاج الروائي يشهد كثافة غير مسبوقة، حيث بات الجميع تقريباً يكتب الرواية، مدفوعين بتسهيلات النشر و«تحفيز/تغاضي» بعض دور النشر التي تقبل النصوص دون تمحيص كافٍ. وبرغم أن إتاحة الفرصة للمحاولة قد تبدو هدفاً إيجابياً في ظاهرها، فإن أثرها - بحسب النمر - ليس بالضرورة صحياً، مشددة على أن دور النشر مطالبة بمسؤولية أكبر، وألا تقبل إلا النصوص القابلة للحياة والقادرة على خوض التحدي الإبداعي والمنافسة.

وفيما يتعلق بالتوزيع، تشير النمر إلى تفاوت واضح بين دور النشر في مستوى الجهد المبذول لتسويق الرواية الإماراتية. فبعض الدور تحرص على المشاركة في معارض الكتب، وتنظيم حفلات التوقيع، وتوفير قراءات نقدية جادة، إلى جانب الترويج عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهي ممارسات لا تزال محدودة. وفي المقابل، تكتفي دور أخرى بدور «المفرخة» التي تطرح الكتب في السوق دون متابعة أو بناء علاقة حقيقية بين النص والقارئ، وهو ما خبرته الكاتبة خلال مسيرتها الأدبية وتعاملها مع نماذج مختلفة من دور النشر.

وعن دور النشر المحلية في بناء سوق مستدام للرواية الإماراتية، ترى النمر أن التجربة لا تزال غير مكتملة، إذ إن عدداً من الإصدارات تختفي من أرفف الدور بعد عام واحد فقط من صدورها، حتى وإن لم تمنح فرصة كافية للترويج، على عكس ما يحدث مع الروايات الأجنبية التي تظل حاضرة بكثافة رغم مرور الزمن. وتلفت إلى أن بعض دور النشر لا تفكر إلا في الربح السريع وقصير الأمد، بينما تحاول دور أخرى - وهي أقل عدداً - الاستثمار في مستقبل الكاتب ومصير منجزه الإبداعي، حتى وإن كان دون سقف التوقعات.

أما على صعيد تحويل المنجز الروائي إلى قيمة اقتصادية، فتؤكد فتحية النمر أن الخلل الأساسي يكمن في ربط النجاح بالجوائز الأدبية، إذ باتت الكتب الفائزة هي الأكثر حضوراً وتسويقاً وربحية، سواء للدار أم للكاتب. ومع ذلك، ترى أن الروائي الإماراتي لا يستطيع حتى اليوم الاعتماد اقتصادياً على ما يكتبه، في ظل ضعف السوق وتواضع الإقبال.

وتشير النمر إلى إشكالية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ضعف اهتمام الكتاب أنفسهم بقراءة منجز زملائهم المحليين، إذ غالباً ما تتجه خياراتهم القرائية نحو الروايات العالمية أو العربية لأسماء معروفة، فيما تحظى الرواية الإماراتية بحضور محدود في قوائم القراءة. وتخلص إلى أن الرواية الإماراتية، برغم كثافة إنتاجها، لا تزال مظلومة من حيث المقروئية، وهو تحدٍ يتطلب تضافر جهود الكاتب والناشر والمؤسسة الثقافية لاستعادة ثقة القارئ وبناء سوق أكثر عدلاً واستدامة.

أزمة إبداع

يرى الروائي علي أبو الريش أن أزمة الإبداع العربي ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمي لعوامل ثقافية وسياسية وإعلامية أسهمت في عزل النص العربي عن فضائه الإنساني الواسع، وحاصرته داخل دوائر محلية ضيقة، رغم ما يمتلكه من طاقة سردية قادرة على ملامسة الوجدان العالمي، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في ضعف النص بقدر ما تتجذر في غياب الوعاء الإعلامي القادر على حمل هذا الإبداع إلى العالم، وفي اختلال موازين القوى الثقافية التي جعلت الأدب العربي في موقع الطرف الأضعف.

ويشير أبو الريش إلى أن الكاتب العربي ما زال يعيش حالة اغتراب حقيقية، إذ يُطالَب بالإبداع في بيئة لا تعترف بالإبداع كقيمة معرفية، ولا توفر له شروط الاستمرار، سواء على مستوى النشر أم التوزيع أم القراءة. فالرواية، على سبيل المثال، قد تمثل جهداً إبداعياً استثنائياً، لكنها لا تتجاوز في أفضل الأحوال حدوداً ضيقة من التداول، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الاستمرار في ظل هذا الخذلان الثقافي.

وفي قراءته لمفهوم السرد، يعود أبو الريش إلى الجذور الأولى للحكاية، مستحضراً النماذج القرآنية بوصفها مرجعاً جمالياً وإنسانياً للسرد العميق، الذي لا يكتفي بالحكي، بل يؤسس للوعي، ويعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والكون. فالأدب، من وجهة نظره، ليس ترفاً لغوياً ولا حكاية عابرة، بل فعل مقاومة للأوهام، ومحاولة دؤوبة لإعادة صياغة الوعي الجمعي.

ويشدد على أن الأفق الرحب المفتوح يظل الشرط الأول لأي فعل إبداعي حقيقي، فالنص الذي يولد تحت القيود لا يستطيع أن يبلغ مداه الجمالي أو الإنساني، كما أن الأدب لا يمكن أن يزدهر في مناخات الخوف أو الاستهلاك، بل يحتاج إلى إرادة ثقافية واعية تؤمن بأن الإبداع ركيزة من ركائز بناء الأمم، لا سلعة هامشية.

كما ينتقد أبو الريش الرهان المفرط على الجوائز الأدبية بوصفها المخرج الوحيد للاعتراف، مؤكداً أن الجوائز، رغم أهميتها، لا تصنع أدباً، ولا تعوض غياب مشروع ثقافي متكامل يحتضن الكاتب، ويحمي النص، ويمنحه فرصة الوصول إلى القارئ. فالأدب الحقيقي، كما يقول، هو صوت جماعي يعبر عن وجدان الأمة، لا صدى فردي معزول.

ويختتم أبو الريش رؤيته بالتأكيد أن الخروج من مأزق السرد العربي يستدعي وعياً نقدياً جديداً يحرر النص من الاستنساخ، ويعيد الاعتبار للخيال بوصفه أداة للمعرفة، لا مجرد زينة لغوية. فالأمم التي استطاعت أن تصغي إلى مبدعيها هي وحدها التي نجحت في تحويل الهامش إلى مركز، والحلم إلى واقع.

حضور كثيف

ترى الكاتبة الروائية أسماء الزرعوني أن المشهد الثقافي المحلي يعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ«زمن الرواية»، مشيرة إلى الحضور الكثيف للروايات الإماراتية في معارض الكتب، وعلى رأسها معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث باتت الرواية تتقدم على غيرها من الأجناس الأدبية، حتى إن كثيراً من الشعراء والشاعرات اتجهوا إلى كتابتها.

وتوضح الزرعوني أن هذا التحول أفرز تجارب لافتة وأقلاماً جديدة تستحق التوقف عندها، إلى جانب تجارب أخرى ما زالت في بداياتها، مؤكدة أن الساحة شهدت أعمالاً قوية ومتماسكة، في مقابل نصوص ضعيفة لم تنضج بعد. كما تلفت إلى لجوء بعض الكُتّاب الشباب إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أو إلى ما يعرف بـ«كاتب الظل»، وهو ما يطرح تساؤلات حول معايير الجودة والأصالة في بعض الإصدارات.

وتربط الزرعوني بين تراجع حضور الشعر نسبياً وصعود الرواية، مشيرة إلى أن دور النشر، وخصوصاً المحلية، باتت تركز على الرواية والروائيين أكثر من غيرهم، إلا أن هذا الاهتمام - برأيها - لا يوازيه أداء مرضٍ في جانب التوزيع والتسويق. وتقول إن مشكلة التوزيع ما زالت قائمة، إذ تكتفي كثير من الدور بالمشاركة في معارض محلية محدودة، دون التوسع في المعارض الخارجية أو العمل الجاد على إيصال الرواية الإماراتية إلى القارئ العربي.

وفي المقابل، تستثني الزرعوني عدداً قليلاً من دور النشر التي تبذل جهداً حقيقياً في الترويج لإصداراتها، من خلال المشاركة الخليجية والعربية وإشراك الكاتب في الحملات الدعائية، وتصميم مواد تسويقية ترافق الرواية في كل محطة، معتبرة أن هذه الممارسات الإيجابية لا تزال محدودة ولا تمثل المشهد العام.

وتنتقد الزرعوني غياب الدور المؤسسي في تحويل الروايات الإماراتية إلى أعمال درامية أو سينمائية، رغم وجود نصوص عديدة قابلة للاقتباس، مشيرة إلى أن المنتجين والمخرجين غالباً ما يتجهون إلى نصوص جاهزة من الخارج، في وقت تتكدس فيه الروايات المحلية الجيدة لدى دور النشر والمؤسسات الثقافية.

وفي ختام حديثها، تؤكد أسماء الزرعوني أن الرواية الإماراتية حاضرة بقوة، وأن التجربة تتراكم وتتنوع، مستشهدة بمسيرتها الشخصية التي بدأت منذ عام 2000 بإصدار أول رواية لها عن دائرة الثقافة في الشارقة (دائرة الثقافة والإعلام سابقاً)، بعد تجربة في كتابة القصة وأدب الطفل، وصولاً إلى 7 روايات حتى اليوم. كما تدعو إلى تفعيل دور الجامعات في إدراج الروايات الإماراتية المتميزة ضمن مناهجها الأكاديمية، معتبرة أن هذا الغياب أحد الأسئلة المؤجلة في مسار دعم الرواية المحلية.