في كلّ موسم، تتقاطر ملايين الخطى نحو مكة المكرّمة استجابةً لنداء سبق التاريخ: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾. ابتلعت رمال القرون هذه الخطى جميعاً، إلا فئةً قليلة آثرت ألا يمحى أثرها، فعادت من الحجّ بنص يثبّت الرحلة على الورق ويحوّل العبور إلى ذاكرة. من هذه الفئة الصغيرة ولد، عبر أربعة عشر قرناً، واحدٌ من أعظم أرشيفات السفر والوجدان والهوية في تاريخ البشرية، واصطلح على تسميته "أدب الحجّ".
تنوّعت أصوات هذا الأدب تنوّعاً يستحيل اختزاله، فمنهم الرحّالة الذين جعلوا الحج محطّةً في مشروع أوسع للطواف بالأرض، كابن جبير وابن بطّوطة. ومنهم الفقهاء والمحدّثون الذين رحلوا في طلب الإسناد، فاجتمعت في حقائبهم الفريضة والعلم. ومنهم المتصوّفة الذين قصدوا الحرم بحثاً عن المعنى الذي يتعالى على الجسد، كأبي حامد الغزّالي ومحيي الدين بن العربي. ومنهم أدباء القرن العشرين الذين أعطوا الطريق لغته البلاغية، كأمين الريحاني ومحمد حسين هيكل. ومنهم ملوكٌ هزّ حجهم التاريخ، كمنسا موسى ملك مالي عام 1324م، الذي تروى عن ذهبه أخبارٌ تقول إنّه أربك أسعار القاهرة سنين بعد عبوره. ومنهم، أخيراً، مستشرقون ومسلمون أوروبيون جدد، كبوركهارت وبيرتون من جهة، ومحمد أسد ومراد هوفمان ومالكولم إكس من جهة أخرى؛ كلٌّ منهم حمل إلى الطريق سؤاله الخاص، وعاد بنص يحمل بصمته.
من هؤلاء جميعاً تتشكّل "ذاكرة الحج المكتوبة"؛ أرشيفٌ متعدّد اللغات متباين الأزمان مشتبه الأعراق، يجتمع عند مركز واحد، ثم يتشعّب منه في كلّ اتجاه.
شهادة بقاء
في القرون الأولى، لم يكن الذهاب إلى مكة فعلاً يخلو من احتمال الموت. كانت القافلة تعبر فيافي وقفاراً واسعة، وطرقاً يترصّدها قطّاع الطرق، وأمواجاً تبتلع المراكب بمن فيها. الكتابة من قلب هذه التجربة كانت، في كثير من الأحيان، أقرب إلى شهادة بقاء منها إلى متعة أدبية.
ابن جبير الأندلسي (المتوفّى 614هـ/1217م) من أوائل الذين وضعوا الرحلة الحجازية في قالبها الكلاسيكي. خرج من غرناطة سنة 578هـ، فعبر البحر إلى الإسكندرية، ومنها إلى الحجاز عبر مصر، ثم آب عبر العراق والشام والبحر المتوسط. في نصّه الذي عرف لاحقاً بـ"تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار"، أهدانا أوّل خريطة سرديّة دقيقة لمكة والمدينة في القرن السادس الهجري؛ تفاصيل أبواب المسجد الحرام، ومواكب الحجّاج وزحامهم، وحدود الكعبة وما تحت سقفها. ومعها، أهدانا شهادةً على المخاطر؛ عاصفةٌ في البحر كادت تأخذه إلى القاع، ومرضٌ ألم بقافلته، ومحنةٌ مع جنود الفرنجة عند جزيرة صقلية في طريق العودة.
قبله بقرن ونصف القرن تقريباً، خاض التجربة ناصر خسرو (المتوفّى نحو 1088م)، الشاعر الفيلسوف القادم من خراسان، فدوّن "سفر نامه" أو كتاب الأسفار. صعد إلى مكة عن طريق الفاطميين في مصر، فحجّ أربع مرّات في رحلة امتدّت سبع سنوات، وعاد إلى موطنه بكتاب صار من أعظم نصوص الجغرافيا الإسلامية.
في الزمن القريب من ذلك، كتب المقدسي (المتوفّى نحو 991م) كتابه الأشهر "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، أحد تأسيسات علم الجغرافيا في الإسلام. لم يكن المقدّسي رحّالة حج بالمعنى الضيّق، غير أنّ الحجّ كان محوراً جوهرياً في مشروعه لتخريط العالم الإسلامي وتقسيم أقاليمه. الطريق إلى مكة، عنده، خطٌّ مركزيّ تنتظم حوله الجغرافيا كلّها.
ما يجمع هؤلاء الثلاثة، ابن جبير وخسرو والمقدّسي، أنّ نصوصهم تحمل ثقل الزمن الذي كتبت فيه؛ زمنٌ كان الوصول فيه إلى الكعبة إنجازاً، والعودة منها معجزة.
ابن بطّوطة
في عام 725هـ/1325م، خرج شابٌّ في الحادية والعشرين من عمره من مدينة طنجة في أقصى المغرب، يقصد مكة لأداء الفريضة. لم يكن يدري حينها أنّه سيمضي ثلاثين عاماً متجوّلاً في الأرض، وأنّه لن يعود إلا بعد أن يطأ ما يقارب أربعين بلداً بمقاييس عالمنا الحديث، وأنّ ابن جزي الكلبي سيملي عنه في غرناطة كتاباً يصبح من أعجب نصوص الأدب الإنساني: "تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، المعروف بـ"رحلة ابن بطّوطة".
الحجّ، عند ابن بطّوطة، فعلٌ مركزيٌّ وعتبة انطلاق في آن معاً. فقد ذهب إليه أربع مرّات على الأقل، ولم تكن مكة عنده محطّةً عابرةً في الطريق إلى الشام أو الهند أو الصين؛ كانت في كلّ مرّة نقطة الالتقاء التي تتجدّد فيها بوصلته. مر في الحرم بعلماء خراسان وفقهاء المغرب وصوفيّة اليمن وتجّار الهند وحجّاج تمبكتو، فاختار أن يتبع تلك الأطراف إلى مصادرها. سيذهب إلى دلهي ليعمل قاضياً في بلاط محمد بن تغلق، ثم إلى جزر المالديف ليتولّى قضاءها، ثم إلى الصين عبر طرق التجارة البحرية، ثم إلى تمبكتو في عمق غرب أفريقيا.
من هنا ندرك أنّ الحج في تجربة ابن بطّوطة كان شيئاً يفوق الفريضة بمراتب؛ شبكة معرفة عالمية، وسوقاً للأفكار، ومركز التقاء لحضارات ما كان لها أن تلتقي لولا الكعبة. الحجاز، عنده، الموقع الجغرافي الوحيد على وجه الأرض الذي يجمع، في زمن واحد، رجلاً من المغرب الأقصى ورجلاً من بكين ورجلاً من مملكة غانة القديمة، تحت سقف واحد، ويتيح لهم تبادل اللغات والكتب والعلوم.
رسالة من مكة
حين تنتقل ذاكرة الكتابة الحجازية إلى العصر الحديث، تبرز أصواتٌ جديدة، أكثرها قدوماً من خارج العالم الإسلامي التقليدي، أصواتٌ رأت في مكة باب تحوّل داخليّ أكثر منها مكاناً جغرافياً ذا خصوصية.
أشهر شهادات القرن العشرين في هذا الباب، بلا منازع، شهادة مالكولم إكس، حيث ذهب الزعيم الأمريكيّ الأسود إلى الحجّ في أبريل 1964 وهو في أعمق أزمتيه السياسية والفكرية؛ فقد انفصل لتوّه عن جماعة "أمّة الإسلام" التي كانت تقدّم الإسلام في صيغة عرقيّة ضيّقة، وكان يبحث عن الإسلام الذي يتبقّى حين تزاح هذه الصيغة، ذهب إلى مكة فوجده.
في "رسالة من مكة" التي بعث بها إلى أصدقائه في نيويورك، كتب أنّه شهد في الحرم مسلمين من كلّ الألوان يصلّون كتفاً إلى كتف، فأعاد بناء فهمه للعلاقة بين الدين والعرق من جديد. الإسلام، في تلك الرسالة، يقدم بوصفه الدين الوحيد القادر على إذابة الجدار الأمريكي بين الأبيض والأسود. خرج من رحلته باسم جديد "الحاجّ مالك الشباز"، ودخل في العام الأخير من حياته، قبل اغتياله في فبراير 1965، مرحلةً فكرية أشد اتّساعاً وأقل تشنّجاً.
كتابة مالكولم إكس عن الحجّ تحمل خصوصيةً غير مسبوقة؛ فقد تخطت وصف الطريق والمناسك لتغدو وثيقة تحوّل أيديولوجي. مكة، عنده، تجربةٌ كونيّةٌ، والحجّ ميدانٌ، ينحلّ فيه لساعات، منطق العالم الذي صنعه الإنسان الحديث. ولهذا تظلّ شهادته المرجع الأكثر اقتباساً حين يطرح سؤالٌ بسيطٌ وعميق: ما الذي يفعله الحج بالإنسان؟
أما محمد أسد (ليوبولد فايس، 1900–1992) فجاء إلى الإسلام من مسار مختلف. فقد تنقل النمساوي اليهودي، صحافياً في الشرق الأوسط في عشرينيات القرن الماضي، ثم اعتنق الإسلام في برلين سنة 1926، وكتب "الطريق إلى مكة" (1954) ليجعل من الحجّ ذروة رحلة روحية طويلة. عنده، الطريق ذو منحى مزدوج؛ داخليٌّ يحفر في النفس، وخارجيٌّ يقطع صحراء الجزيرة العربية. صار الكتاب، منذ صدوره، أحد أهمّ سير التحوّل الديني في الأدب الأوروبي الحديث، وأعاد تقديم الإسلام إلى القارئ الغربي بلغة تخلو من العقدة الاستشراقية.
من جانبه، كتب مراد هوفمان (1931–2020)، الدبلوماسي الألماني الذي أسلم سنة 1980 وخدم سفيراً لبلاده في الجزائر والمغرب، يوميات من الحجّ وأخرى عن تجربته بوصفه "مسلماً ألمانياً"، ورغم أن نصوصه كانت أقلّ شاعريّةً من أسد، إلا أنها حملت عقلاً تحليلياً فريداً.
قبل هؤلاء جميعاً، كان أوروبيون أوائل قد أدخلوا مكة في أرشيف الكتابة الغربية، غالباً تحت ستار التخفّي من أبرزهم؛ السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت سنة 1814، والبريطاني ريتشارد بيرتون سنة 1853. ومع أن كتاباتهم تقرأ اليوم بحذر بسبب موقعها الاستشراقي، لكنّها تظلّ جزءاً من السجلّ الذي يستحيل تجاوزه.
اختصار المسافات
حين بدأت السيّارات تدخل الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، اقترب زمن الوصول إلى مكة من ساعات بدلاً من أشهر. وفي العقود التالية، صار الحجّ لكثير من المسلمين رحلة طائرة تستغرق يوماً واحداً ذهاباً وإياباً، بعد أن كان يستغرق العمر كله استعداداً، وأنفس المال بذلاً. وفي السنوات الأخيرة، تجاوز عدد حجّاج الموسم الواحد المليونين في أكثر المواسم. وتحت سطح هذا الإنجاز اللوجستي الهائل، يقف سؤالٌ ثقيل: ماذا حدث للكتابة؟
"الرحلة الحجازية" بوصفها كتابة أدبية كانت ابنة المسافة، فقد كان الحاجّ يمضي شهوراً في الطريق قبل أن يبلغ الكعبة، يمرّ في أثناء رحلته بمدن وأسواق ويلتقي أناساً من مختلف المشارب. طول المسافة وتراكم التجربة في تلك الرحلة كانت تكسب النص كثافته، قبل أن يصل الحاج إلى مكة ويؤدي الشعائر. حين اختصرت المسافة إلى ساعات، اختصرت معها المادّة التي يبني منها الكاتب نصه. فلم يعد في الطريق ما يستحقّ التدوين؛ لا قافلة، ولا خيمة في بادية، ولا تخوم بلدة تطفو عند الفجر بعد ليلة طويلة.. فهل قتلت الطائرة أدب الحجّ؟
السؤال يحتمل أكثر من جواب. لقد قتلت بالتأكيد نوعاً معيّناً من الكتابة؛ ذلك الذي يتغذّى على معاناة الرحلة وبعد الشقة، غير أنّها فتحت، في المقابل، باب كتابة من نوع آخر؛ شهاداتٌ ذاتيّة، ويوميّاتٌ روحية، وتأمّلاتٌ في معنى الجموع، ونصوصٌ ما بعد حداثية في علاقة الإنسان بالطقوس الجماعية.
الحجّ في عصر الطيران واختصار المسافات صار أقصر في الوقت، لكن أعمق روحياً؛ حيث ملايين الناس في مساحة محدودة، تلتقي خلفيّاتهم وألوان بشرتهم وأصواتهم في مكان واحد يبتهلون لرب واحد في لحظة واحدة.
ربّما لم تمت الكتابة عن الحج.. ففي أرشيفنا الإسلامي، ما زالت تلك الفجاج التي حفرتها الأقلام في تضاريس الكتب، تهدي إلى الحضارة ذاكرة مكتنزة بالمواقف والحكايات والناس في رحلة الركن الخامس.