بين الألعاب الشعبية وورش الحرف التقليدية وذاكرة المكان، تفتح الفعاليات التراثية نافذة جديدة للتواصل بين الأجيال، حيث يجد التراث مكانه في الممارسة الحية لا في حدود المشاهدة فقط، ولكن أيضاً من حكاية يرويها الأجداد إلى سلوك يتجدد في حياة المجتمع وتنتقل معانيه من جيل إلى آخر.
وأكدت منى فيصل القرق، المدير التنفيذي لقطاع المتاحف والتراث في هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، أن الهيئة تولي اهتماماً كبيراً بالموروث الثقافي الذي يمثل نبض الماضي وجسراً يربط الأجيال الجديدة بجذورها وثقافتها الأصيلة.
مشيرة إلى أن ما تنظمه الهيئة من فعاليات وتجارب مبتكرة ينطلق من إيمانها بأن التراث يجب أن يُعاش ويُمارس كجزء من تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يعكس حرصها على رفع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع بأهمية حمايته والمحافظة عليه بوصفه جزءاً من التراث الإنساني.
وقالت إن «دبي للثقافة» تواصل عبر مبادراتها وبرامجها صون التراث المادي وغير المادي والتعريف به وتسليط الضوء على جمالياته وقيمه التاريخية والإنسانية، من خلال تقديمه بأساليب معاصرة تحوله إلى ممارسة حية وتجربة متجددة تتيح لأفراد المجتمع، ولا سيما الشباب، التفاعل معه والتعرف إلى عناصره وفهم أبعاده، بما يسهم في تعزيز ارتباطهم به بوصفه جزءاً أصيلاً من هويتهم الوطنية.
وأضافت إن فعاليات الهيئة تعكس ثراء الموروث المحلي وأصالته ودوره في دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، كما تسهم في نقل المعرفة بين الأجيال وغرس القيم المجتمعية لدى الناشئة، بما يرسخ شعور الانتماء لديهم ويدعم استمرارية التراث بوصفه عنصراً فاعلاً في مسيرة التنمية الشاملة.
من جهتها، أوضحت الكاتبة الدكتورة عائشة الجناحي أنها من خلال مشاركة أبنائها في الفعاليات التراثية لاحظت تحولاً واضحاً في فهمهم للعادات والتقاليد.
حيث لم تعد هذه المفاهيم مجرد معلومات نظرية، بل أصبحت تجربة حية يعيشونها ويتفاعلون معها، الأمر الذي عزز لديهم الشعور بالانتماء وعمق ارتباطهم بهوية المجتمع وجعلهم أكثر فخراً بجذورهم وقيمهم الأصيلة.
وأضافت: بعد مشاركة أبنائي في إحدى الفعاليات التراثية أصبحوا يستخدمون بعض المفردات الإماراتية ويسألون عن معانيها ودلالاتها المرتبطة بعاداتنا وتقاليدنا، حتى أصبحت هذه الكلمات جزءاً من مفرداتهم اليومية التي يستخدمونها مع الأهل والأصدقاء.
وأكدت أن الفعاليات التراثية تضيف بعداً تربوياً واجتماعياً لا يتحقق بنفس العمق في المدرسة أو عبر الوسائل الرقمية، لأنها تنقل القيم من إطارها النظري إلى تجربة معيشة.
حيث يتعلم الأبناء العمل الجماعي واحترام الكبار وتقدير الموروث، إلى جانب تنمية مهارات التواصل وتعزيز الانتماء للمجتمع، كما تخلق هذه الفعاليات مساحة تفاعلية ترسخ القيم في الوجدان، فمشاركة الأبناء في ورش الحرف التراثية أو الألعاب الشعبية تنمي لديهم روح التعاون وتجعلهم أكثر ارتباطاً بتفاصيل الحياة التي عاشها الأجداد.
وأشارت إلى أن هذه الفعاليات أصبحت مساحة مهمة تجمع الأسرة في تجربة مشتركة تتجاوز الترفيه إلى بناء الحوار بين الأجيال، وتفتح المجال لتبادل القصص والخبرات ونقل الذكريات، ما يعزز الفهم العميق للتراث والقيم ويسهم في تقوية الروابط الأسرية ويجعل الهوية جزءاً حياً يُتناقل بالحوار لا بالتلقين.
وسيلة تعليمية
من جانبه، قال علي الطنيجي، معلم لغة عربية، إن الفعاليات التراثية تعد وسيلة تعليمية حية تتجاوز التلقين النظري، حيث يتحول التعلم إلى تجربة معيشة يمكن أن تتكامل مع المدرسة بطرق متعددة، من أبرزها التعلم بالتجربة مثل تعلم الطلبة طريقة استقبال الضيوف وتقديم القهوة أو أداء الفنون التراثية، وهو ما يربط المعرفة بالفعل ويجعلها أكثر رسوخاً.
وأوضح أن ربط المناهج بالواقع يسهم في تعميق الفهم، كأن يدرس الطالب نصاً عن التراث ثم يزور معرضاً تراثياً أو يشارك في فعالية تحاكي ما تعلمه، إلى جانب غرس القيم بشكل غير مباشر مثل التعاون واحترام الكبار والاعتزاز بالهوية من خلال ممارسات واقعية.
وتابع: «كما يسهم التعلم التكاملي في دمج مواد دراسية مختلفة، مثل اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والفنون، ما يحول التراث من معلومة نظرية إلى سلوك وقناعة راسخة».
ولفت إلى أن الأنشطة التراثية تسهم في تنمية مجموعة من المهارات لدى الطلبة، من أبرزها تعزيز الهوية والانتماء والشعور بالفخر بالثقافة المحلية، إضافة إلى تنمية المهارات الاجتماعية والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية، فضلاً عن تطوير مهارات التعبير اللغوي، والتفكير الإبداعي، والانضباط والالتزام.
وأكد أن هذه المهارات لا تُكتسب بسهولة داخل الصف التقليدي فقط، بل تحتاج إلى مواقف حياتية وتجارب مباشرة تجعل الطالب يعيش التراث لا يسمع عنه فقط، وهو ما يعزز ارتباطه العاطفي بالموروث الثقافي ويشعره بأنه جزء من استمرارية هذا التراث، ويدفعه إلى المحافظة عليه ونقله للآخرين.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن إشراك الطالب في التراث عبر التجربة لا يعرّفه بالماضي فحسب، بل يسهم في بناء إنسان معتز بهويته وقادر على تمثيل مجتمعه بوعي ومسؤولية.