لا يمثل التراث في دبي قصصاً مؤرشفة، إنما هو ذاكرة نابضة فياضة بمفردات الجمال، والاستحضارات التاريخية والإسقاطات المعاصرة التي تروي حكاية حاضرة تاريخية ديدنها الانفتاح ورسم لوحات الجمال وتعزيز سياقات حضوره. وتعنى كافة الجهات الثقافية والمؤسسات المعنية في دبي، بتعزيز هذا الدور والمكانة للتراث الذي يحتفل عالمنا ليوم بيومه.

وتبرز في الصدد، جهود ومبادرات مكتبة محمد بن راشد لتكرس مكانتها في السياق بوصفها إحدى أبرز المؤسسات الثقافية التي تضطلع بدور محوري في صون التراث الإنساني وحفظه.

مستندة إلى رؤية متكاملة تجمع بين أصالة المعرفة وتطور التكنولوجيا، لتقدم نموذجاً عالمياً في حماية الذاكرة الثقافية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

وقال الدكتور محمد سالم المزروعي، عضو مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، «إن المكتبة تمضي في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي لحماية التراث وإعادة تقديمه برؤية معاصرة تجمع بين الأصالة والتكنولوجيا، عبر تطوير قدراتها في الترميم المادي والرقمي.

وتوسيع نطاق الوصول المفتوح للمعرفة، بما يعزز حضور التراث في المستقبل ويحول المكتبة إلى جسر حضاري يربط الماضي بالحاضر ويصون الذاكرة الإنسانية».

وتحتضن المكتبة إرثاً معرفياً استثنائياً يضم أكثر من 8000 مخطوطة ومجموعة نادرة، إلى جانب مئات القطع الفريدة في «معرض الذخائر»، ما يجعلها مركزاً عالمياً لحفظ التراث الثقافي بمختلف لغاته وتجلياته.

ومن بين أبرز المقتنيات النادرة في المكتبة، يبرز كتاب «وصف مصر (1809 - 1828)»، الذي يُعد من أضخم الأعمال العلمية الاستكشافية في التاريخ.

حيث وثّق ملامح مصر القديمة والحديثة عبر جهود مئات العلماء والفنانين. كما تحتفظ المكتبة بنسخة مميزة من رواية «دون كيخوته» للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس. وفي مجال العلوم، تبرز نسخة نادرة من كتاب «القانون في الطب» للعالم ابن سينا.

ولا تقتصر المقتنيات على التراث العربي والغربي، بل تمتد لتشمل مخطوطات آسيوية فريدة مثل «رامايانا» الهندية، ومخطوطة «سوترا اللوتس» اليابانية المكتوبة بالحبر الذهبي، إضافة إلى مصحف كشميري مزخرف يعكس جماليات الفن الإسلامي.

وفي قلب هذه الجهود، يأتي «مركز الترميم» في المكتبة كإحدى أبرز الركائز المتخصصة في صون التراث.

وتتكامل جهود الترميم مع «مختبر الرقمنة»، الذي يلعب دوراً محورياً في تحويل المخطوطات والوثائق النادرة إلى نسخ رقمية عالية الدقة.

وتمضي هيئة الثقافة والفنون في دبي، عبر مبادراتها وبرامجها وتجاربها المبتكرة في تطوير منظومة متكاملة تحتفي بالموروث الإماراتي، وتحول أصولها التراثية ومتاحفها إلى مراكز معرفية وتعليمية نابضة بالحياة، تمنح الجمهور والباحثين فرصة استكشاف تفاصيل تراث دبي وتاريخها وثقافتها الأصيلة، بما ينسجم مع التزاماتها الهادفة إلى دعم الاستدامة الثقافية.

وتعزيز حضور التراث المحلي ضمن المشهد العالمي.وفي هذا السياق، تبذل «دبي للثقافة» جهوداً كبيرة في حماية الموروث المحلي وتوثيقه باستخدام التقنيات الحديثة، لضمان نقله إلى الأجيال الجديدة.

وهو ما يتجسد في مشروع «ثقافة دبي وتراثها» على «منصة Google للفنون والثقافة»، الذي يتيح للجمهور حول العالم إمكانية استكشاف ملامح وثراء المشهد الثقافي والإبداعي في دبي.

وفي هذا الإطار، تعاونت الهيئة مع نخبة من المبدعين والموهوبين لإنتاج أكثر من 130 قصة، و1200 صورة، و40 مقطعاً مصوراً باللغتين العربية والإنجليزية، تسرد تاريخ دبي العريق.

وتبرز تنوعها وتفرد ثقافتها. كما تتولى «دبي للثقافة» إدارة مجموعة من المواقع التراثية والتاريخية، التي تعكس جوهر دبي وروحها وعراقة تراثها، وهو ما يتجلى في حي الشندغة التاريخي، الذي يحتضن متحف الشندغة، أكبر متحف تراثي في الإمارات.

ويمكن أبناء المجتمع من الاطلاع على التراث البحري والبيئة الساحلية في دبي، والتعرف إلى تأثير البحر في الحياة المجتمعية.

ويشكل حي الفهيدي التاريخي نموذجاً معمارياً يعكس خصوصية البيئة المحلية، بما يتميز به من أزقة ضيقة، وبيوت شعبية وبراجيل عالية ومشيدة بمواد البناء التقليدية.

فيما تمثل قرية حتا التراثية مركزاً تاريخياً وحيوياً، يبرز هوية المنطقة وثراءها الطبيعي والثقافي، وتحتضن فعاليات «ليالي حتا الثقافية»، التي تسهم في تعميق ارتباط المجتمع بتراثه.

كما يحتفظ «مجلس غرفة أم الشيف»، للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراه»، بقيمته التاريخية، إذ يجسد فضاءً يعكس تقاليد الحكم، وأسلوب إدارة شؤون المجتمع في مراحل مفصلية من تاريخ دبي.