في مدينة اعتادت أن تجمع العالم على أرضها، تفتح دبي أبوابها لقلوب الزائرين وعقولهم، لتقودهم إلى اكتشاف المعنى الأعمق لشهر رمضان المبارك.

وبين أزقة حي الفهيدي التراثي، يتحوّل مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري إلى مساحة نابضة بالحوار والتجربة الحية، حيث لا يكتفي الزائر بمشاهدة ملامح الثقافة الإماراتية، بل يعيش تفاصيلها لحظة بلحظة.

فمع اقتراب أذان المغرب، يجتمع سياح ومقيمون من ثقافات وجنسيات مختلفة حول موائد إفطار تقليدية، في تجربة تتجاوز الطعام إلى اكتشاف روحانية الصيام وقيمه الإنسانية.

ومن خلال جولات ثقافية وبرامج تفاعلية وحوارات مفتوحة، يعرّف المركز ضيوفه بجماليات العادات الإماراتية وطقوس رمضان، في أجواء يختلط فيها عبق القهوة العربية والبخور بحكايات الضيوف وأسئلتهم ودهشتهم الأولى.

هكذا يواصل المركز منذ تأسيسه عام 1998 أداء رسالته في بناء جسور التفاهم بين الشعوب، مجسداً شعاره «الأبواب مفتوحة.. العقول متفتحة»، ومحوّلاً لحظات الإفطار الرمضاني إلى تجربة ثقافية وإنسانية تعكس كرم الإمارات وروحها المتسامحة.

وأكد عبد الله الجابري، المحاضر الثقافي في مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري لـ«البيان»، أن الرؤية الأساسية للمركز تتبلور حول تقديم برامج تفاعلية متكاملة، تهدف إلى تعريف السياح والزوار بمختلف جوانب الحياة في دولة الإمارات.

منوهاً بالدور المحوري الذي يؤديه المركز في تعزيز الفهم المتبادل بين زوار الدولة والمقيمين وبين الثقافة الإماراتية الأصيلة.

وأوضح الجابري أن هذه البرامج لا تقتصر على الجانب النظري، لافتاً إلى أنها تمتد لتشمل تجارب حية تطلع السياح والمقيمين على تفاصيل الزي الإماراتي التقليدي ودلالاته، وأصول المطبخ الإماراتي وتنوع أطباقه، والعادات والتقاليد المجتمعية التي تشكّل هوية الدولة.

وأشار إلى أن شهر رمضان المبارك يمثل فرصة استثنائية للمركز لتنظيم برامج الإفطار، وهي مبادرة تستهدف بشكل خاص السياح والمقيمين في الدولة من غير المسلمين.

مبيناً أن الهدف من هذه البرامج هو منحهم فرصة التعرف بعمق إلى معاني الصيام وفلسفة شهر رمضان المبارك. وذكر المحاضر الثقافي أن المركز يحرص على إشراك الزوار في تفاصيل لحظة الإفطار الإماراتية بكل تفاصيلها الحميمة.

إذ يعايش الزوار لحظات انتظار صوت الأذان في أجواء تراثية، ويتناولون الإفطار التقليدي الذي يبدأ بالتمر واللبن، ويستمتعون بالأطباق الإماراتية الشعبية، وسط نقاشات ثقافية مفتوحة.

مؤكداً أن هذه اللقاءات تهدف إلى معايشة أجواء رمضان بعمق، ما يسهم في كسر الحاجز الثقافي، وبناء جسور من التواصل الإنساني والحضاري في قلب دبي.

تجربة استثنائية

وتحدثت غالا، ذات الجنسية الروسية، التي عاشت سبع سنوات في فرنسا قبل استقرارها في الإمارات منذ ستة أشهر، عن تجربتها خلال زيارتها للمركز.

حيث مكَّنتها من الانغماس بعمق في التقاليد المحلية التي أولعت بها، موضحةً أن إعجابها بالثقافة الإماراتية ينبع من قيم الكرم واللطف المتأصلة فيها.

وأكدت غالا أن زيارتها للمسجد ضمن أنشطة المركز، كانت حلماً يراودها منذ وصولها إلى الدولة، قائلةً: «أنا سعيدة جداً، فهذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها مسجداً، بعد نصف عام من إقامتي في الإمارات».

وعن تجربتها مع شهر رمضان المبارك، كشفت عن خوضها تجربة الصيام لأول مرة في حياتها خلال الأيام الأولى من الشهر هذا العام، واصفة التجربة بأنها كانت «استثنائية»، من المنظورين الروحي والثقافي.

وفي ختام حديثها، أثنت غالا على حفاوة الاستقبال، ودماثة الأخلاق التي لمستها منذ لحظة دخولها المركز، مشيدةً بجودة الطعام والأجواء العامة، كما وجهت دعوة إلى الجميع لزيارة المكان، وخوض هذه التجربة الثقافية الفريدة.

جسر ثقافي

وفي أجواء مفعمة بالألفة والروحانية، شارك الزائر الأوكراني فاسيل تجربته خلال زيارته للمركز، مؤكداً أن هذه الزيارة كانت بمثابة جسر حقيقي لفهم الثقافة الإماراتية والقيم الإسلامية بشكل أعمق.

وأوضح فاسيل، الذي انتقل أخيراً للعيش في الإمارات قادماً من النرويج، أن قراره زيارة المركز، جاء بناءً على توصية قوية من أصدقائه الذين زاروا المكان العام الماضي، لحضور مأدبة إفطار رمضانية، مشيراً إلى أنهم وصفوا تلك التجربة بأنها كانت «أبرز محطات عطلتهم على الإطلاق».

وخلال حديثه، قال فاسيل إنه لم يحظَ سابقاً بأي فرصة للتعرف إلى هذه الثقافة عن قرب، معرباً عن فضوله المعرفي تجاه تفاصيل الحياة اليومية، مثل ارتداء الملابس التقليدية للرجال والنساء، وآداب دخول المساجد، كخلع الأحذية والوضوء.

ولفت إلى أن أكثر ما أثار إعجابه، هو فلسفة الصيام في الإسلام، التي رأى أنها تهدف إلى تعزيز الصبر والتعاطف مع المحتاجين، وهي قيم إنسانية عالمية، يراها قريبة جداً من مبادئه الشخصية، مؤكداً أنه شعر بطيبة كبيرة لدى أهل الإمارات، ورغبة صادقة في العطاء.

ووصف أجواء تجمُّع الأصدقاء والعائلات في الإفطار، بأجواء عيد الميلاد، من حيث كونها مناسبة لتمتين الروابط الإنسانية والاجتماعية، موضحاً أن اللحظات التي سبقت الإفطار.

كانت لحظات خاصة جداً، يسود فيها الترقب والهدوء الممزوج برائحة العطور العربية والبخور والقهوة، وأن مشاركة الطعام مع الآخرين في تلك الأجواء، تمنح الزائر شعوراً لا يوصف بالانتماء والمودة.

واختتم فاسيل حديثه بالثناء على الدور الذي ينهض به مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري في تبديد التساؤلات، وتقديم صورة واضحة ومشرقة عن العادات والتقاليد المحلية، مؤكداً أنها تجربة غنية بكل تفاصيلها.