في ركنٍ هادئ من ذاكرة الجبل، حيث تلتقي قسوة الصخر برهافة الطفولة، يشرع الفنان الإماراتي الرائد محمد أحمد إبراهيم نوافذ الحلم، محولاً معرضه الأخير في المجمع الثقافي بأبوظبي «غيمتان في سماء الليل» انفجاراً صامتاً للألوان التي نبتت من تربة خورفكان، لتعلن أن الليل ليس حلكة دائمة، بل فضاء شاسع لولادة الضوء.
وعبر لوحات ومنحوتات بديعة، يطل علينا رائد المدرسة المفاهيمية وأحد أعمدة الخمسة المؤسسين للفن المعاصر في الإمارات، ليُعيد صياغة علاقته الأزلية بالطبيعة.
حينها تغدو الكتل والخطوط العضوية كائنات حية تتنفس وسط العتمة، مستخدماً لغته الرمزية المعهودة ذات النقوش التي تشبه الشِّفرات البدائية.
وبين المواد المستدامة وعجينة الورق التي طوَّعها بحرفية الفيلسوف، يثبت إبراهيم أن الفن لا يحتاج إلى صخب لكي يُسمع، بل يكفيه أن يكون صادقاً كصخرة جبلية، وعميقاً كليلة صافية تحت سماء الطبيعة.
ويصحبنا الفنان الإماراتي محمد أحمد إبراهيم في رحلة بصرية تتجاوز حدود المألوف، حيث يدمج بين الرموز الغامضة والمواد الأولية ليخلق حواراً ممتداً مع الطبيعة. وفي حديثه حول فلسفة أعماله، يكشف إبراهيم لـ«البيان» عن المنطلقات الفكرية التي تشكل هويته الفنية الفريدة.
وحول الرموز التي تشبه الكتابات القديمة أو الشفرات السرية في أعماله، يوضح إبراهيم أنها ليست محاولة لخلق لغة خاصة أو أبجدية شخصية، بل هي محاولة فنية للوصول إلى الحد الأدنى من الشكل، وهو ما تدركه العين في الفضاء الممتد بين البؤبؤ والجفن حتى عند إغلاق العين، حيث نرى الأشياء هناك بمنظور مختلف تماماً.
وفيما يخص ميله لاستخدام مواد بسيطة ومعاد تدويرها، مثل الورق المعجَّن، يشير إبراهيم إلى أن اختياره لا يتوقف عند حدود التواضع أمام الطبيعة أو إعادة تدوير المهملات فحسب، بل ينبع من إيمان عميق بأن لكل مادة أسرارها الخاصة.
ويضيف: «عندما تبوح لك المادة بسرها، تنشأ بينكما صداقة. فالطبيعة مليئة بمواد لا تزال تحتفظ بخباياها، ومهمتنا كفنانين تكمن في التجريب المستمر لاكتشاف تلك الأسرار».
أما عن التكرار الإيقاعي الذي يميز أسلوبه الإبداعي، فيقدم إبراهيم رؤية مغايرة للمفهوم السائد؛ فهو لا يرى في وضع خط بجانب آخر تكراراً بالمعنى التقليدي، بل يرى أن كل خط يمتلك هويته الخاصة.
ويفسر ذلك قائلاً: «حتى وإن بدت الخطوط متشابهة، تختلف من حيث الزمن، والمكان، والحيز»، موضحاً أن هذا الأسلوب لا يعد مجرد نمط بصري، بل هو دعوة للتأمل في تفرد كل عنصر وتمايزه رغم تشابه المظهر.
تحديات وجماليات
وفي جولة فنية تجمع بين سحر الطبيعة وعفوية التعبير، تأخذنا القيمة الفنية نور المحيربي إلى عمق تجربة الفنان الإماراتي الرائد محمد أحمد إبراهيم في معرضه مستعرضةً التحديات والجماليات التي جعلت من هذا المعرض محطة استثنائية في مسيرة الفنان.
وتوضح المحيربي، في حديثها لـ«البيان»، أن تصميم مسار الحركة في المعرض لم يكن تقليدياً، بل اعتمد على ركيزة أساسية، وهي المنصات النحتية التي تحاكي أشكال الشفرات المميزة.
وتقول: «أردت أن يتبع التخطيط ذلك الشكل العضوي ليكون المسار بمثابة تجربة مرحة، تشبه المشي في حقل أو حديقة، حيث تتوالى لحظات المفاجأة أثناء التنقل».
وتضيف: «ترتيب الأعمال يعكس علاقة الفنان العميقة بالأرض والتضاريس، حيث تم استغلال الجدران الجانبية لعرض «سلسلة الحشرات»، وهي أعمال تدعو الزوار للتمهل وتأمُّل هذه الكائنات التي تسكن هوامش رؤيتنا. وفي قلب هذا الانفتاح، تبرز لحظات من السكون».
وعن التحدي في عرض فن يرتكز على الطبيعة والعفوية داخل فضاء مؤسسي، تشير المحيربي إلى أن الهدف كان استحضار روح الأرض دون الوقوع في فخ التكلف أو الاستعراض.
مؤكدةً أن معمارية قاعة المجمع الثقافي ساعدت في ذلك، فهي ليست مجرد مساحة عرض تقليدية، بل تمنح الأعمال الفنية فرصة للتنفس من خلال مرونة الجدران والانفتاح المكاني.
وتضرب مثالاً بعمل «الزمن، المكان، الفراغ»، حيث تطورت الخطوط المرسومة على الهيكل يوماً بعد يوم بلمسات فريق من الفنانين المتطوعين، ما عكس طبيعة عمل الفنان التي تعتمد على الغريزة والتباين في الحركة.
وتعتبر هذا المعرض علامة فارقة لأنه يمثل عودة وتجديداً في آن واحد. فمن جهة، يستعرض مرحلة جديدة تتسم بالخفة، مستوحاة من أسفاره الأخيرة ومفهوم «الغيوم».
ومن جهة أخرى، يوثق المعرض صلة الفنان التاريخية بالمجمع الثقافي، حيث يعود إليه بعد 34 عاماً من أول معرض فردي له فيه. ويبدأ المعرض بلوحة من عام 1989 كانت قد عُرضت في معرضه عام 1991، ليؤكد استمرارية مسيرته.