في عصور كان فيها الطب يرتقي إلى مصاف الحكماء والفلاسفة، ظهر طبيب قيرواني أعاد هذا العلم إلى حياة الناس اليومية، إلى البيت والطريق والسفر، وإلى مائدة الطعام وغرفة النوم، هو أبو جعفر بن الجزار القيرواني.

مؤلفاً كتابه «زاد المسافر وقوت الحاضر» ليكون دليلاً عملياً يرافق الإنسان في واقع حياته، أو عند غياب الطبيب. كتاب قد يبدو للوهلة الأولى مجموعة نصائح بسيطة، غير أنه في جوهره يعد من أبرز المؤلفات في الطب العملي ضمن التراث الطبي الإسلامي.

ما يميز هذا العمل أنه يقوم على أساس طبي واضح، هو نظرية الأخلاط والأمزجة، (سوائل الجسم التي تحدد المزاج)، وعن أسباب المرض، وعلاماته، ومساره، ثم تدبيره بالعلاج المناسب، ومع ذلك نجد القيرواني لا يتحدث بلسان المتعالي، بل بلغة القريب التي يفهمها القارئ.

لرغبته في أن يصنع «دليلاً طبياً منزلياً»، يرافق صاحبه في السفر كما في الحضر، بحيث يستطيع أن يدبر أمر صحته إذا غاب الطبيب أو تعذر الوصول إليه. والكتاب جامع بين العلم الدقيق والرحمة العملية، وبين منهج الأطباء وبين خبرة الحياة اليومية.

ماذا يحتوي «زاد المسافر وقوت الحاضر»؟

بدءاً من الأمراض تشخيصاً وعلاجاً، يعرض أمراضاً كثيرة كانت شائعة، كالحمى وأنواعها، والصداع، وأمراض المعدة والأمعاء، والنزلات والسعال، وآلام المفاصل، والأمراض الجلدية، ومشكلات السفر وتبدل الهواء..

وهو في دليله هذا لا يكتفي بالتحذير أو الوصف، بل يشرح متى يُكتفى بالغذاء، ومتى يلجأ إلى الدواء، ومتى يكون التخفيف أولى من المبالغة في العلاج، ويحرص أشد الحرص على الاعتدال، لنجد أنه دليل طب علاجي حقيقي.

جزء واسع من الكتاب يدور حول تدبير الحياة، والعيش بتوازن في النوم، والرياضة، والهواء والمناخ، ونظافة البدن، واختلاف الفصول، والغذاء الموافق لكل مزاج وعمر.. وهنا يظهر ابن الجزار بوصفه طبيباً يعلم الناس كيف لا يمرضون قبل أن يعلمهم كيف يشفون، وهو ما نسميه اليوم (الطب الوقائي).

الإنسان في مختلف أحواله

لا ينظر الكتاب أو الدليل إلى الناس بوصفهم متشابهين، بل يفرّق بين الشباب والكهول والشيوخ، وأصحاب الأمزجة الحارة أو الباردة، المقيمين والمسافرين، ومن يعيشون في البرد أو الحر، هذه النظرة الفردية جعلت الكتاب أقرب إلى دليل شخصي، لا وصفة عامة تكتب للجميع. كما لم يؤلف زاد المسافر، للأطباء وحدهم، بل لعامة الناس، من التجار، والمسافرون، ورب الأسرة، والمرأة التي تدبر شؤون بيتها.

لذلك جاء أسلوبه واضحاً، وتوصياته قابلة للتطبيق، بحيث يشعر القارئ بأن الطبيب حاضر معه عبر النص يرشده، لا يرهقه، وهذا ما جعل المؤرخين يرون فيه قانوناً صغيراً قبل القانون، أي مقدمة عملية سبقت الكتب الكبرى الثقيلة.

أهمية الكتاب اليوم

تكمن قيمة «زاد المسافر وقوت الحاضر»، في أنه يقدم صورة مختلفة عن الطب الإسلامي، بأنه طب واقعي قريب من الناس، يرى العافية تربية للحياة لا مجرد وصفة دواء، ومن هنا انتشر الكتاب في الغرب، وترجم مبكراً إلى اللاتينية، وتداوله طلاب صقلية وإيطاليا، لأن لغته العملية جعلته صالحاً للتعليم والاستخدام اليومي معاً، ففي جوهره أخلاق العيش، وكيف نأكل وننام، كيف نهدئ أجسادنا ونحفظ أرواحنا من الإفراط.

طبيب الاعتدال

ابن الجزار القيرواني، وطبيب القيروان، برز في القرن العاشر الميلادي. امتهن الطب في فترة الأغالبة، كان طبيباً مسلماً مالكي المذهب، عُرف بتواضعه، وقربه من الفقراء والمرضى، وترك كتباً مؤثرة في الأطفال والشيخوخة والدواء، لكن كتاب «زاد المسافر وقوت الحاضر» يبقى الأقرب إلى القلب، لأنه يجعل الطب علماً يعيش معنا في تفاصيل يومنا.

الترجمة

تُرجم «زاد المسافر وقوت الحاضر» إلى اللاتينية على يد الطبيب القيرواني قسطنطين الأفريقي، في القرن الحادي عشر، المتقن للغات عدة، وبعد هجرة القيرواني (تونس) إلى إيطاليا، اعتنق المسيحية الكاثوليكية، واعتزل الدير مونتي كاسينو، وقام بترجمة أعمال الأطباء المسلمين، ومنهم ابن الجزار.

لكن حملت ترجمته عنوان الزكاة، وأصبحت من أهم المراجع الطبية في الطب الغربي في العصور الوسطى، وشكلت نصاً أساسياً في مناهج مدرسة ساليرنو الطبية، كما تُرجم العمل إلى اليونانية والعبرية أيضاً خلال تلك الفترة.

مخطوطات ابن الجزار الأصلية

تتناثر المخطوطات الأصلية للطبيب الشهير ابن الجزار القيرواني، في مجموعة من المكتبات، مثل مكتبة جامع الجزار في عكا بفلسطين، والمكتبة البريطانية، والمكتبة الوطنية لإسرائيل، ومكتبة الشويش في بيروت، والمكتبة الوطنية بدمشق،.

بالإضافة إلى مشروع تقوده جامعة هامبورغ بألمانيا، ينادي بإنقاذ كتب الجزار، لأنها المخطوطات التي بنت أوروبا عليها الطب الوقائي الحديث، بالإضافة إلى إنشاء الجامعة مجموعة بيانات وسجلات الحفظ الرقمي في مركز دراسة ثقافات المخطوطات على موقعها: CSMC.

الكتاب بمثابة دليل طبي منزلي يرافق صاحبه في السفر

يقدم صورة عن الطب الإسلامي بوصفه طباً واقعياً قريباً من الناس

يجمع بين العلم الدقيق ومنهج الأطباء وخبرة الحياة اليومية

الكتاب ليس مخصصاً للأطباء فقط بل لعامة الناس من التجار والمسافرين ورب الأسرة والمرأة التي تدبر شؤون بيتها

انتشر في الغرب وترجم مبكراً إلى اللاتينية وتداوله طلاب صقلية وإيطاليا

المصادر:

* الموسوعة العربية، ومقال مفصل عن ابن الجزار وترجمة قسطنطين الأفريقي.

* تاريخ الإسلام للذهبي..

* ذكر عن الأعلام وتراجم الأطباء وعن قيمة زاد المسافر.

* فهرس مخطوطات الطب الإسلامي، المتوفر في المكتبة الوطنية لعلم الطب.

* مجلد عيون الأنباء في طبقات الأطباء

* لابن أبي أصيبعة، إشارة إلى مؤلفاته البارزة وخاصة زاد المسافر وما فيه من تفصيل.

الصور:

*صفحة من مخطوط زاد المسافر وقوت الحاضر، مكتبة جامعة ساكسونيا في ولاية درسدن، ومكتبة قطر الرقمية.

غلاف زاد المسافر، طبع في المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون.

* صفحة من خاتمة.