في دبي، حيث تتقاطع ناطحات السحاب مع أفق الطموح، لم يعد الفن زائراً عابراً، ولا ترفاً نخبوياً، بل صار نبضاً يومياً. فوسط قاعات العرض، تتشكل حكاية إبداعية متسارعة الإيقاع، تعكس حراكاً استثنائياً، ونمواً لافتاً في عدد الغاليريهات، حتى غدت الإمارة منصة عالمية، تتنافس فيها أبرز النتاجات الفنية، وتباع على أرضها لوحات أيقونية، بأسعار تلامس حدود الخيال.

خلال هذا التقرير، الذي يغوص في عمق المشهد الفني المتنامي، تكشف «البيان» عن العوامل التي حولت دبي إلى سوق دولية للفن، وملتقى للفنانين وجامعي الأعمال وأصحاب الغاليريهات من مختلف أنحاء العالم.

كما تضيء على أهمية دبي، بوصفها مركزاً مؤثراً في الخريطة الإبداعية العالمية، مستعرضةً آراء فنانين، لتقرأ من خلال تجاربهم ملامح إمارة لم تكتفِ باحتضان الفن، بل أعادت تعريف دوره وحدوده في زمن العولمة الثقافية.

انفتاح إبداعي

عبدالرحيم سالم

وفي هذا السياق، أكد الفنان عبد الرحيم سالم رئيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، لـ «البيان»، أن دبي استطاعت خلال سنوات قليلة أن ترسّخ حضورها الثقافي على المستويين المحلي والعالمي، من خلال تبنّيها رؤية واضحة تضع الثقافة والفنون ضمن أولويات مشروعاتها الحكومية.

وفي صدارة هذه الجهود، يبرز معرضا «فنون العالم دبي» و«آرت دبي»، اللذان باتا يشكّلان منصتين دوليتين للحوار الفني والتبادل الثقافي، مشيراً إلى أن هذا التوجه الذي انتهجته الإمارة منذ ما يقارب عقداً من الزمن، جاء انطلاقاً من طموحها لأن تكون مدينة متكاملة، تحتضن مختلف أشكال الإبداع الفني والمعرفي.

وأوضح أن دولة الإمارات، عموماً، ودبي على وجه الخصوص، وفّرت بيئة منفتحة وحاضنة لكل من يمتلك القدرة على تقديم فن متميّز، بعيداً عن أي اعتبارات تتعلق بالجنسية أو العِرق.

لافتاً إلى أن مبادرة «الإقامة الذهبية»، شكّلت نموذجاً واضحاً لهذا الانفتاح الثقافي والإبداعي، وأسهمت في استقطاب الفنانين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم، ومنحتهم شعوراً بالاستقرار والأمان، ما انعكس إيجاباً على جودة الإنتاج الفني واستدامته.

وفي ما يتعلق بازدهار ثقافة اقتناء الأعمال الفنية في دبي خلال السنوات الأخيرة، وتأثير ذلك في تنشيط سوق الفن ودعم الاقتصاد الإبداعي، أشار عبد الرحيم سالم إلى وجود حراك لافت في هذا المجال، تقوده المؤسسات والمتاحف الوطنية التي كثّفت من وتيرة اقتنائها لأعمال الفنانين.

لا سيما خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ولفت إلى أن مفهوم الاقتناء اتسع نطاقه على مستوى الدولة، وبرز بشكل واضح خلال الفعاليات الفنية الكبرى، مثل «آرت دبي» و«آرت أبوظبي» و«بينالي الشارقة».

وأضاف أن المقارنة مع السنوات السابقة تكشف عن نمو ملحوظ في عدد عمليات الاقتناء السنوية، سواء من قِبل المؤسسات أو الأفراد، الأمر الذي أسهم في رفع القيمة السوقية للأعمال الفنية، وجعل إنتاج عدد من الأسماء البارزة مطلوباً بأسعار مجزية.

وضرب مثالاً بالفنان الراحل حسن شريف، الذي شهدت أعماله قفزة كبيرة في قيمتها، إذ ارتفعت من نحو 10 آلاف دولار في السابق، لتتجاوز اليوم حاجز 100 ألف دولار، ما يعكس تطور الوعي الفني، وتقدير التجربة الإبداعية محلياً.

وتطرّق عبد الرحيم سالم إلى واقع الغاليريهات الفنية في دبي، ودورها في دعم الفنانين وتنشيط المشهد الفني، مؤكداً أن الإمارة شهدت في مراحل سابقة انتشاراً واسعاً للغاليريهات.

وبيّن أن نجاح أي غاليري يعتمد على مجموعة من العوامل الأساسية، في مقدمها كفاءة الإدارة، وامتلاكها خلفية فنية عميقة، تمكّنها من تقييم الأعمال واختيار الأجود منها، إلى جانب الحرص على التنوع في المعروضات، دون الانحياز إلى مدرسة فنية بعينها.

وأرجع سبب إحجام بعض الفنانين عن التعاقد مع الغاليريهات، إلى الارتفاع المتزايد في النسب المفروضة على بيع الأعمال الفنية.

حراك متسارع

محمد يوسف

وأوضح الفنان التشكيلي الدكتور محمد يوسف عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أن دبي لم تقتصر على الجانب التجاري فحسب، بل نجحت في صياغة هوية فنية فريدة، أصبحت جزءاً أصيلاً من بنيتها التحتية الراسخة.

مؤكداً أن الإمارة باتت، في ظل الحراك المتسارع، مدينة فنية بامتياز، ما يفسر الطفرة الكبيرة في أعداد صالات العرض (الغاليريهات)، التي تتوسع يوماً بعد يوم.

ورأى أن توافد جامعي الأعمال الفنية إلى دبي، ليس وليد المصادفة، بل نتيجة تحقيق أهداف استراتيجية واضحة، أبرزها الاستقرار الفني الذي تحولت دبي من خلاله إلى سوق رائجة لبيع الأعمال الفنية واقتنائها، وهو ما يتجسد بوضوح في فعاليات عالمية مثل «آرت دبي».

مضيفاً أن بين تلك الأهداف، التكامل البنيوي الذي يتمثل في القدرة الفائقة على الجمع بين الثقافة والإبداع والنشاط السياحي في آن واحد، وكذلك المرونة التشريعية التي تتجلى في ثبات الموسم الفني، ودعم الأنظمة والقوانين، إلى جانب المشاريع الحكومية المتنوعة، التي جعلت من دبي مركزاً مالياً وفنياً رائداً في المنطقة.

وفي قراءة لواقع السوق الفني، بيَّن الدكتور يوسف أن التطور السريع لدبي، وتوافر المرافق الحديثة، خلقا حالة من الأمان الاستثماري، مشيراً إلى أن الاقتناء الفني أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة المستثمر، تماماً كالعقار، ما يعطي مؤشراً تصاعدياً للاقتصاد المحلي.

وقال: «هذا المناخ الاستثماري الثابت شجع شركات المزادات العالمية على اتخاذ دبي مركزاً رئيساً لها، حيث يتهافت المستثمرون من مختلف أنحاء العالم لتحقيق أهدافهم المالية والفنية في بيئة توفر التسهيلات كافة».

وتطرق الدكتور محمد يوسف إلى الدور الحيوي الذي تنهض به «الغاليريهات» في دبي، واصفاً إياها بـ «الحالة الصحية»، التي تنشط بصورة خاصة في موسم الشتاء، تصبح دبي وجهة دافئة، تمزج بين الأجواء المعتدلة والفعاليات الفنية الكثيفة.

منوهاً بأن هذا الازدهار لا يخدم المستثمرين فحسب، بل يسهم بصورة مباشرة في دعم الفنانين، خاصة المعاصرين منهم، والإسهام في انتشار أعمالهم على نطاق عالمي.

ولفت إلى أهمية الإشعاع الفني الذي تحولت عبره الإمارات إلى مركز عالمي، بفضل تنوع المتاحف، وتزايد المرافق الفنية التي جعلت من دبي منارة للإبداع، مشيداً بتجربة دبي، التي غدت نموذجاً فريداً في كيفية تسخير الفن لخدمة الاقتصاد، وتحويل الإبداع إلى لغة عالمية، تجمع بين الثقافات والاستثمارات تحت سقف واحد.

ركيزة أساسية

عائشة العبار

من جانبها، أكدت الفنانة عائشة العبار، مؤسِّسة غاليري «عائشة العبار»، أن قطاع الصناعات الإبداعية في الإمارات عموماً، ودبي خصوصاً، يشهد تحولاً جذرياً في المفاهيم والتقدير المادي والمعنوي.

مشيرةً إلى أن الفن بدأ يخرج من إطاره التقليدي كـكماليات، ليصبح ركيزة أساسية في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة.

وفي حديثها عن العوائق التي تواجه تحويل الإبداع إلى عمل اقتصادي ناجح، أوضحت أن التحدي الأبرز كان يتمثل في ثقافة المشتري، حيث كانت الشركات والمؤسسات تتساءل عن الجدوى من دفع مبالغ مالية مقابل الأعمال الفنية، مبينةً أن العمل الإبداعي يحمل تكاليف تشغيلية خفية، وجهداً زمنياً كبيراً.

وقالت: «الفنان يحتاج إلى استوديو للإنتاج، ومساحات للتخزين، وتقييم العمل لا يعتمد على المادة فقط، بل على سنوات الخبرة التي تراكمت لدى المبدع».

ونوهت بأن السنوات الأخيرة شهدت طفرة في الوعي، حيث بدأت الشركات الكبرى والعلامات التجارية في دمج الفن ضمن استراتيجياتها، ما أحدث تعاوناً متزايداً بين الفنانين وقطاعات الضيافة.

حيث أصبح الفن حاضراً في الحفلات وتصاميم العلامات التجارية، مؤكدةً أن ذلك يعكس فهماً أعمق لقيمة الهوية البصرية والجمالية في رفع القيمة السوقية للمشروعات الفنية.

وعلى صعيد الدعم الحكومي، أشادت بالسياسات الحالية، التي وصفتها بـ «غير المقصرة»، مستشهدةً بفعاليات كبرى مثل: «أسبوع دبي للتصميم»، و«آرت دبي»، وغيرهما من مهرجانات الفنون المختلفة، التي توفر منصات استقطاب للمبدعين والهواة، وتفتح آفاقاً لشبكات علاقات دولية ومحلية.

ودعت عائشة العبار المبدعين إلى ضرورة استغلال هذا الحراك، لافتة إلى أن المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، أصبحت تبادر بالتواصل مع الفنانين، ما يخلق بيئة عمل خصبة.

وأن القيادة الرشيدة والجهات المعنية تتبنى سياسة «الباب المفتوح»، للاستماع لتحديات الفنانين وحلها، ما يجعل المرحلة الحالية هي العصر الذهبي لتحويل الشغف الفني إلى قطاع اقتصادي مستدام.

زخم ثقافي

بنديتا غيون

وأكدت بنديتا غيون المديرة التنفيذية لـ «آرت دبي»، أن الزخم الثقافي والفني الذي تشهده دبي اليوم، لم يعد مجرد نشاط إبداعي موازٍ للاقتصاد، بل أصبح جزءاً فاعلاً من المنظومة الاستثمارية والتنموية في الإمارة، مشيرةً إلى أن الرؤية الحكومية لعبت دوراً محورياً في تحويل المدينة إلى بيئة جاذبة للفنانين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم.

وأوضحت غيون أن مبادرات مثل الإقامة الذهبية للمبدعين، إضافة إلى تنامي البنية التحتية الداعمة للفنون، أسهمت في استقرار عدد متزايد من الفنانين وصالات العرض في دبي، ما أدى إلى تكوين مجتمع إبداعي أكثر ترابطاً واستدامة.

لافتة إلى أن وجود مساحات العمل، والبرامج الثقافية المستمرة، والتعاون المؤسسي بين الجهات الثقافية، كلها عناصر دعمت الإنتاج الفني والتبادل المعرفي، وأسهمت في ترسيخ حضور الفن ضمن الاقتصاد المحلي.

وأضافت أن الأثر الاقتصادي للقطاع الثقافي بات ملموساً، إذ أظهرت دراسة أجرتها شركة «إبسوس»، أن دورة 2023 من «آرت دبي»، أسهمت في تحقيق أثر اقتصادي مباشر، تجاوز 140 مليون درهم، مع ارتفاع ملحوظ في الحجوزات الفندقية والنشاط السياحي المرتبط بالمعرض، ما يعكس الدور الذي تلعبه الفعاليات الثقافية في دعم قطاعات اقتصادية متعددة، وتعزيز مكانة دبي وجهة ثقافية عالمية.

وفي حديثها عن تطور ثقافة اقتناء الأعمال الفنية، أوضحت غيون أن دبي أصبحت اليوم مركزاً رئيساً لسوق الفن في الشرق الأوسط.

حيث تجتمع صالات العرض التجارية ودور المزادات والجامعون من أصحاب الثروات الكبرى في منظومة واحدة. كما شهدت المدينة انتقال عدد متزايد من الجامعين الدوليين إليها، ما أسهم في بناء مشهد فني أكثر تنوعاً وعمقاً.

وأشارت إلى أن ثقافة الاقتناء باتت أكثر وعياً ومسؤولية، مع اهتمام متزايد بالسياق الثقافي والبحث والتوثيق وحفظ الإرث الفني، إضافة إلى رغبة الجامعين في التواصل المباشر مع الفنانين، الذين بات عدد كبير منهم يعيش ويعمل في دبي.

كما لفتت إلى أن تأسيس متاحف ومجموعات عامة جديدة في المنطقة، إلى جانب مبادرات مثل «مجموعة دبي»، أسهم في تحويل الاقتناء من نشاط تجاري إلى ممارسة ثقافية طويلة الأمد تخدم المجتمع.

وأكدت غيون أن البرامج الحوارية والتعليمية التي ينظمها «آرت دبي»، أسهمت بدورها في تعزيز وعي الجامعين، وتشجيعهم على الانخراط بعمق في تاريخ الفن وممارساته المعاصرة.

وعن واقع صالات العرض الفنية في دبي، أوضحت أن المدينة تضم النسبة الكبرى من صالات العرض التجارية في الشرق الأوسط، ما يمنحها كثافة فنية، تسمح للصالات بالعمل بطموح أكبر.

وبحضور دولي متنامٍ، مضيفة أن كثيراً من هذه الصالات لم يعد يقتصر على البيع والعرض، بل بات يركز على الإنتاج الفني والبحث وبرامج الإقامة، وتطوير المسارات المهنية للفنانين. وختمت بالتأكيد أن مناطق، مثل: «السركال أفنيو» ومركز دبي المالي العالمي، أسهمت في تكوين تجمعات إبداعية نشطة داخل المدينة.

نموذج عالمي

فيليب مولر

وأكد الفنان النمساوي فيليب مولر، الذي تخرج في جامعة الفنون التطبيقية في فيينا، أن ثقافة الاقتناء في مدينة دبي، شهدت تطوراً ملموساً ونضجاً لافتاً في السنوات الأخيرة.

موضحاً أن هذا التحول يعود بشكل أساسي إلى الدور الذي تلعبه صالات العرض المتخصصة، مثل «كربون 12»، في رعاية المقتنين، وتنظيم معارض فنية قائمة على أسس بحثية قوية.

وخلال استعراضه لرؤيته حول المشهد الثقافي، أشار مولر، الذي يعد أحد مؤسسي جمعية «وينر أكسه»، للتبادل الفني العابر للحدود، إلى أن التفكير المستدام طويل الأمد لمؤسسات مثل «سيركال أفينيو» و«آرت دبي»، يُعد ركيزة أساسية لتطوير هوية عضوية للمشهد الفني في دبي، وأن الإمارة نجحت في خلق بيئة صحية، تتيح تبادلاً فاعلاً بين الفنانين والمقتنين.

ونوَّه مولر بأن دبي تحولت إلى مركز جذب للفنانين من مختلف أنحاء العالم، الذين يختارونها مكاناً للعيش والإنتاج، مؤكداً أن المدينة توظف الفن كمرآة تعكس واقعها وتطورها.