من الصحراء وُلدت الحكاية، ومن حبات رملها وترابها صاغت الفنانة التشكيلية الإماراتية نوال البلوشي فلسفة بصرية تتجاوز حدود اللوحة التقليدية. لم يكن الرمل والتراب في يدها مجرد مادة خام، بل هوية حية تحمل أنفاس الأجداد وذاكرة الأرض التي احتضنت البدايات الأولى لمسيرة وطن.
وبين ثنايا الرمل وسحر سعف النخيل، أعادت البلوشي تعريف العلاقة بين الفنان ومحيطه، مستلهمةً رؤيتها من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي خطّ على الرمال الملامح الأولى للحلم الإماراتي إيماناً منه بأن الأرض هي منطلق أي رؤية مستقبلية.
وخلال حديثها لـ«البيان»، توضح نوال البلوشي أن المادة في العمل الفني ليست مجرد وسيلة للتنفيذ، بل هي جزء أصيل من الفكرة والرسالة الفنية، لافتةً إلى أن اختيار التراب مادةً أساسية لأعمالها راجع إلى كونه يحمل ذاكرة الإنسان، ويمثل بداية الخلق ونهايته، ورمزاً للجذور والهوية.
ارتباط بالبيئة
وتشير نوال إلى أن التراب بالنسبة إليها كيان حي ينبض بروح البيئة الإماراتية، ويمنح العمل الفني بعداً إنسانياً يتجاوز الشكل الجمالي إلى المعنى العميق، مبينةً أنها اعتمدت في نتاجها الفني على مواد غير تقليدية، مثل الرمل وسعف النخيل، كجزء من رؤيتها للفن المستدام الذي يجسد علاقة الفنان بمحيطه ويربطه بالحياة اليومية والهوية الوطنية.
توثيق الرموز
وعن أقرب الأعمال الفنية إلى روحها، تذكر البلوشي أن اللوحات التي جسدت المرأة الإماراتية باستخدام التراب تحتل مكانة خاصة لديها، لكونها تعبّر عن رحلتها الشخصية وتحولاتها، منوهةً بمشاركتها في «يوم المرأة الإماراتية» برسم لوحة «أم الإمارات»، التي باتت تُعرض في 32 موقعاً عالمياً لمجموعة «تريستار» العالمية، لتشكل رسالة بصرية تعكس مكانة المرأة الإماراتية عالمياً.
وتفيد بأنها كرَّست فن الرسم بالرمل لتوثيق رموز الوطن وقادته المؤسسين، حيث نفَّذت أعمالاً فنية لصور المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، موضحةً أن اختيار الرمل في هذه الأعمال كان مقصوداً بوصفه المادة التي انطلقت منها رؤية البناء الإماراتي.
طريق العالمية
وعن التوازن بين الهوية المحلية والعالمية، تلفت البلوشي إلى أن انطلاقتها من «سوق الفريج» ودعم المهندس داوود الهاجري، مدير بلدية دبي سابقاً، منحاها دافعاً للاستمرار، مضيفةً أن تجربة تعاونها مع «نادي دبي لسباق الخيل» أثبتت لها أن الفن المتجذر في البيئة المحلية قادر على محاورة الجمهور العالمي دون فقدان خصوصيته.
وتشدد على أنها لا تسعى للانتماء إلى مدرسة فنية غربية معينة، بل تطور أسلوباً يعبّر عن الثقافة العربية وبصمتها الخاصة.
تحديات
وعلى صعيد التحديات، تشير البلوشي إلى حاجة الفنان الإماراتي إلى مراكز ثقافية وملتقيات متخصصة تكون مرجعاً للاستشارات وتبادل الخبرات، لافتةً إلى وجود صعوبات تتعلق بآليات الترويج وبيع الأعمال الفنية، وداعيةً إلى توفير منصات عرض مستدامة وتشريعات تحمي حقوق الفنان.
وتختتم نوال البلوشي بالتأكيد أن أعمالها تطرح سؤالاً إنسانياً جوهرياً حول كيفية التوازن بين الجذور التي ينتمي إليها الإنسان والعالم المتغير من حوله، مجسدةً ذلك بمقولتها: «هكذا بُنيت الإمارات من التراب».
