انحدارها من أسرة عريقة مشهورة بصياغة المجوهرات جعلها بمقربة من مجال إبداعي مميز، وعشقها للدراسة التاريخية زاد شغفها بالغوص في عوالمه الفريدة، فأثمرت مسيرتها البحثية إصدارات مهمة شكلت محطات مشرقة في توثيق قصص الحضارة، بدأت بكتاب «صياغة السيوف والخناجر التقليدية في الإمارات» الذي تحكي كيف تزامن إنجازه مع إطلاق «ومضات من فكر» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، كما صادف ظهور كتابها الأخير «نكلس وكردانه» إصدار كتاب سموه «علمتني الحياة».
إنها الباحثة الإماراتية حليمة عبدالله راشد الصايغ، الحاصلة على منحة «الترويج والمشاركات المحلية»، ضمن «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» التابع لوزارة الثقافة، التي ارتحلت معها «البيان» بين حكايات الحلي الشعبية وسماتها الفنية، والاكتشافات التاريخية التي توجت بها جهودها في فهم أصول الحضارات القديمة.
وتكشف حليمة الصايغ عن الأسباب وراء انجذابها إلى هذا المجال الإبداعي واهتمامها بالبحث في نطاقه المعرفي، موضحة أنه مع استمرارها في البحث عن التقنيات اليدوية والفنون الزخرفية التي مارسها والدها وأجدادها الصاغة، واطلاعها على ثراء المنتجات التراثية الثمينة المصنوعة من الذهب والفضة، انفتحت لها آفاق معرفية ثمينة تستحق التدوين والتوثيق، واكتشفت مدى مهارة الصاغة في العصرين الأموي والعباسي، وكيف أبدعوا في صنع نماذج تحاكي العلوم والمعرفة، فأدركت أن صياغة الذهب التقليدي لم تكتشف أسرارها بعد.
وتقول حليمة: «حملت على عاتقي مهمة البحث والتنقيب عن الكنوز التي صنعها المسلمون في جميع العصور، ولاحظت آفاق المقارنة والتشابه بين المنتجات والتقنيات التي مارسها صاغة شبه الجزيرة العربية وتلك التي في الحضارات القديمة، وزرت متاحف عالمية، منها متحف الحضارة الإسلامية، فاكتشفت أن التقنيات التي استخدمت في صناعة أسورة رمسيس الثاني هي نفسها التي استخدمها الصاغة خلال الورش التقليدية في دولة الإمارات وشبه الجزيرة العربية»، مشيرة إلى أن بعض الحلي الشعبية التي تتزين بها النساء في شبه الجزيرة العربية معروضة في قسم الحلي التي ترجع إلى تاريخ العصر الفاطمي.
وتضيف: «أسرعت في تدوين تلك المعلومات، وصورت الحلي من متحف الحضارة الإسلامية لإضافتها إلى صفحات كتاب «نكلس وكردانه»، على الرغم من أنني كنت قد فرغت من إخراجه، لكنني أصررت على إدراج الصور التي اكتشفتها»، لافتة إلى أن تعمقها في دراسة تفاصيل حرفة صياغة الذهب، وتاريخ القصص والحكايات التي رافقتها، ومعرفة أبرز السمات الفنية التي تميز الصياغة في الإمارات وتمنحها ملامح تخصها، كل ذلك أدى إلى اكتشاف عمق معرفي وثقته ليكون أول تأريخ يتناول فلسفة صياغة الحلي في شبه الجزيرة العربية.
وتشير إلى أن تلك الفلسفة، التي تشكل أحد أكبر الإنجازات العلمية، تضمنت: فلسفة محاكة الطبيعة، وفلسفة عنصر الحركة، وفلسفة عنصر الصوت، وفلسفة التباين في الوحدات، وفلسفة تكرار الوحدات الفنية، مؤكدة أن حرفة الصياغة نجحت بالعصر الراهن في توظيف التقنيات الحديثة، وأسهمت في إنتاج نماذج تحاكي التطورات الحالية، ووفرت على الصائغ العناء والجهد المبذولين في العمل اليدوي، وإن كان العمل اليدوي أعظم قيمة معنوية؛ لما فيه من حس فني ومهارة بشرية.
مسيرة بحثية
وعن الأثر الذي أحدثه «البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع» التابع لوزارة الثقافة، في مسيرتها البحثية، توضح حليمة أن المبادرة أسهمت في تخطي الكثير من التحديات لإتمام إجراءات طباعة الكتاب ونشره، مبينة أن كل خطوة من مراحل طباعة الكتاب تقتضي تكاليف مالية، وأن المشروع الكتابي، كغيره من المشروعات، يحتاج إلى فرق عمل تتكاتف في إنجازه، بحيث لا يقتصر ذلك على جمع المعلومات والبحث والتوثيق فحسب.
وتؤكد ضرورة تكثيف الاستفادة من مجال الصياغة واستثماره في ضوء أسس ومفاهيم الاقتصاد الإبداعي التي تتبناها الإمارات، منوهة بأن حرفة صياغة الذهب تمثل ذراعاً اقتصادية مهمة، ومصدراً مهماً لتطوير الاقتصاد العالمي؛ لأنها حرفة تتعامل مع أثمن المعادن في العالم، وأن سوق دبي للذهب كان ولا يزال عاملاً أساسياً في تطوير اقتصاد الإمارة يغذي الأسواق العالمية ويسهم في مضاعفة الدخل القوي؛ نظراً إلى قدرة الذهب على التحكم في الاقتصاد العالمي.
