في دبي، حيث تلتقي الأرواح المبدعة لتنسج خيوط التواصل بين الثقافات، تنصهر المسافات بين الفن الإماراتي الأصيل والفنون العالمية العريقة، لتنبثق لغة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا وتصافح وجدان الحضارات.

وفي فضاء ندوة الثقافة والعلوم في دبي التي احتضنت مؤخراً معرض «سرديات التصميم»، بالتعاون مع الجمعية الكورية للتصميم والفنون، تحولت اللوحات الفنية المشاركة من مواد صامتة إلى حكايات مزجت عناصر الطبيعة بمفاهيم التكنولوجيا المعاصرة، لتقيم جسوراً ثقافية عبر سيمفونية بصرية تحتفي بالجمال والإرث الإنساني المتنوع.

وكشفت الفنانة التشكيلية الإماراتية الدكتورة نجاة مكي، لـ«البيان»، عن رؤيتها العميقة لماهية الفن المعاصر، مؤكدةً أن الإبداع لا يعرف حدوداً جغرافية، بل هو أنماط تتشكل وفقاً لبيئة الفنان وهويته.

وتطرقت الدكتورة مكي إلى التقاطعات الفنية بين الشعوب، مشيرةً إلى أن الفن الإماراتي يتلاقى مع فنون العالم - كالفن الكوري - في نقاط جوهرية رغم اختلاف الهوية.

وأوضحت أن الفنان المعاصر اليوم بات يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الحديثة، مثل التصوير الرقمي ودمج المواد وبرامج «الغرافيك»، ما خلق لغة بصرية عالمية يصعب أحياناً الفصل بين جذورها التقنية، لكنها تظل محتفظة بدلالات ورموز تعكس هوية مبدعها.

وأشادت بالتجربة الكورية العريقة في الفن، ولا سيما في نحت الخشب، معتبرةً أن الاحتكاك بهذه الثقافات يغني التجربة المحلية ويخلق حالة من التمازج الفكري والجمالي.

وحول أحدث أعمالها الفنية، أوضحت أنها عملت على سلسلة فنية تستلهم موضوعها من النظام الحيوي في جسم الإنسان والكائنات الحية. وقالت: «نستقي إبداعنا من قدرة الخالق؛ فكل تفصيلة صغيرة، سواء كانت شريحة من جسم الإنسان أو حتى ورقة شجر، تكشف لنا عند وضعها تحت المجهر عن أبعاد جمالية وإيقاعات مذهلة لم نكن نراها بالعين المجردة».

وتعتمد الرؤية الإبداعية للدكتورة مكي على تحويل المشاهدات المجهرية إلى لوحات فنية تدمج بين النظام الصارم للطبيعة وبين خيال الفنان، فهي ترى أن دور الفنان يكمن في إبراز هذا الإيقاع الخفي وتقديمه للجمهور برؤية بصرية معاصرة، تركز على العواطف والشعور الإنساني والجمال الكامن في أدق تفاصيل الخلق.

جسر ثقافي

وأكدت الفنانة الإماراتية نجوم الغانم أن الفن يمتلك قدرة فريدة على صهر المسافات بين الثقافات المختلفة، مشيرةً إلى أن التقاطعات بين الفن الإماراتي والفنون العالمية، مثل الفن الكوري، تبرز بوضوح عندما تُجمع هذه التجارب تحت سقف واحد.

وفي حديثها عن التجارب الفنية المشتركة، أوضحت أن المعارض التي تقام في الإمارات عموماً، ودبي خصوصاً، تحتضن طيفاً واسعاً من المبدعين، سواء من الفنانين المواطنين أو المقيمين.

لافتةً إلى أن هذا التنوع لا يقتصر على الأسماء، بل يمتد ليشمل تنوع اللغات الفنية من الرسم والخط العربي إلى النحت والتصوير الفوتوغرافي، وتعدد الوسائط من استخدام خامات وأشكال فنية متباينة تعكس خلفيات الفنانين المختلفة.

ووصفت التجربة الكورية بالثراء والتنوع الكبير، وخاصة في مجالات التصميم الغرافيكي والطباعة، موضحةً أن ما يمنح هذه الأعمال بريقها الخاص هو الإطار الموحد الذي تُقدَّم من خلاله للجمهور. فبالرغم من اختلاف الأحجام والجهود المبذولة في الأنسجة والمواد، فإن العامل البصري هو الذي يؤلف بينها، ما يضع جميع الأعمال في مستوى متوازن ومتساوٍ أمام الزائر.

وقالت: «استطعنا أن نرى في قاعة واحدة ما قد نراه عادة في متحف كامل»، مؤكدةً أن هذه المشاركات تمثل تجارب متجذرة ومتعددة الأبعاد. فكل فنان يحمل رسالة خاصة تنبع من منظوره الشخصي وزاويته البحثية، سواء كان ذلك البحث في الجانب الفني الصرف، أو البحث الأكاديمي، أو حتى استكشاف خصائص الخامات والمواد المستخدمة في التشكيل.

جوهر فلسفي

من جانبه، أوضح الفنان الكوري الجنوبي والأكاديمي بجامعة ولاية كاليفورنيا، تشانغ سيك كيم، أبعاداً عميقة تربط بين الهوية الفنية للإمارات وجذور الفن الكوري. وبحسب كيم، فإن ما يجمع هاتين التجربتين يتجاوز الجماليات البصرية ليصل إلى جوهر الفلسفة والقصة الكامنة خلف العمل الفني.

وأكد البروفيسور كيم أن القاسم المشترك الأبرز بين الفنَّين الإماراتي والكوري هو المنهج الفلسفي؛ إذ لا يُرسم الخط أو تُبنى اللوحة بمحض المصادفة. وقال: «بينما يميل الفن الغربي أحياناً نحو التبسيط الشديد أو التجريد المطلق، نجد في الفن الإماراتي تكويناً وبنية مدروسة بعناية، حيث تحمل كل تفصيلة في طياتها قصة ومعنى تاريخياً عميقاً».

وتوقف كيم طويلاً عند فنون الخط والطباعة، مشيراً إلى أن هناك تقديراً مشتركاً للجانب الروحاني في النصوص. ووصف كيم الحروف في الثقافة العربية بأنها تتجاوز شكلها البصري لتصبح تعبيراً عن الهوية والروح.

كما عقد مقارنة لافتة مع اللغة الكورية، موضحاً فلسفة تشكيل الحروف لديهم، فالحروف المتحركة تستند فلسفتها إلى ثلاثة عناصر كونية هي: (السماء، والإنسان، والأرض)، في حين صُممت الحروف الساكنة بناءً على الميكانيكا الوظيفية لأعضاء النطق البشري، مثل شكل الفم واللسان والأسنان عند إخراج الصوت.

واختتم كيم حديثه بالتأكيد أن قوة الفن في الإمارات وكوريا تنبع من كونه متجذراً في التاريخ؛ فالفنان في كلتا الثقافتين لا يسعى لتقديم نمط بصري حديث فحسب، بل هو مؤتمن على إرث ثقافي يظهر في دقة التنفيذ وعمق المحتوى، وهو ما يجعل للعمل الفني قيمة تتخطى مجرد العرض البصري العابر.