بين طواعية الطين وقسوة النار، تتشكل الحكايات كما تتشكل القطع الخزفية؛ ببطء، ووعي، وشغف لا يرى في المادة مجرد خامة، بل ذاكرة قابلة للخلود.

وفي معرض «بيت الخزف» الذي أقيم ضمن النسخة الـ14 من مهرجان سكة للفنون والتصميم في حي الشندغة التاريخي بدبي والتي اختتمت فعالياتها مؤخراً، لم يقف الزائر أمام أعمال فنية صامتة، بل يدخل من خلالها فضاءً نابضاً بالأصوات الخفية للأفكار، حيث تتحول اللمسة إلى معنى، والتجربة إلى لغة بصرية تتجاوز حدود الشكل إلى عمق الفكرة.

ومن الجداريات والمنحوتات إلى الفنون التركيبية، ومن ورش العمل التفاعلية إلى الحكايات الشخصية المنقوشة على الخزف، قدم المعرض تجربة حسية متكاملة، تعكس كيف يمكن للفن أن يكون مساحة للتحرر، واستعادة الذاكرة، وإعادة صياغة الهوية.

وفي هذا المشهد الغني، تعددت الأصوات والرؤى، لكن جمعها خيط واحد: الإيمان بأن الخزف ليس فناً تقليدياً، بل خطاب معاصر قادر على ملامسة الروح، ومخاطبة الزمن، والبقاء شاهداً على جمال الفكرة حين تُمنح فرصة التشكّل.

وفي لقاء مع الفنان كمال الزّعبي، القيّم الفني لـ«بيت الخزف» للسنة الرابعة على التوالي، أكد لـ«البيان» أن المهمة الأساسية لـ«بيت الخزف» هي خلق تجمع فني يدعم مجتمع الخزفيين في دبي، موضحاً أن المعرض هذا العام ضم تشكيلة غنية من الفنانين، حيث دمج بين طاقات طلاب الجامعات المبتدئين وخبرات الفنانين المحترفين، وأنه لم يقتصر الاهتمام على المحترفين، بل شمل براعم الفن من خلال برنامج «الخزافون الصغار» التابع لمركز الجليلة لثقافة الطفل، وهو برنامج يمتد أربعة أشهر، ويهدف إلى صقل مواهب الأطفال وتنميتها في هذا المجال.

وأشار إلى أن «بيت الخزف» تميّز في هذه النسخة بكونه أكثر تفاعلية من أي وقت مضى، حيث استقبل الزوار بورش عمل تعليمية تشمل التدريب على الدولاب الكهربائي وتقنيات تشكيل الطين المختلفة، لافتاً إلى أن المعروضات توزعت عبر غرف البيت مقدمة تجربة بصرية متنوعة؛ فمن الجداريات إلى الفنون التركيبية والمنحوتات، حمل كل ركن طابعاً خاصاً وقصة فنية جديدة.

وفي عمل فني مزج بين صلابة الخزف ورهافة الأفكار، قدمت الفنانة الإماراتية وفاء بو هارون الشامسي قطعة فنية فريدة تجسد مفهوم «تحرر الأفكار»؛ إذ ظهر العمل عبارة عن دفتر خزفي تتطاير من بين دفاته أوراق وثقت عليها الفنانة ذكرياتها ورحلاتها إلى أماكن تركت أثراً في وجدانها، وهو دعوة للتأمل في ذكرياتنا وكيفية صياغتها في قوالب فنية تمنعها من التلاشي، تماماً كما تحولت الأوراق من أفكار عابرة إلى حقيقة ملموسة من الخزف.

وتقول الشامسي عن فلسفة هذا العمل: «الفكرة الأساسية في كيفية تحرر الأفكار؛ فهي تتطاير وتختفي تماماً كالأوراق في مهب الريح»، موضحةً أن كل ورقة في هذا الدفتر الخزفي تمثل مكاناً زارته بنفسها أو ارتبط به شخص مقرب منها، ما يحوّل العمل من مجرد قطعة فنية إلى أرشيف بصري للمشاعر والأمكنة.

ولفتت إلى أن العمل يتميّز بدقة الرسم اليدوي الذي يوثق معالم دينية وتاريخية مهمة، من أبرزها: رسم لمسجد بناه جد الفنانة في إمارة رأس الخيمة قبل نحو 80 عاماً، ولا يزال قائماً حتى يومنا هذا، وتصوير للكعبة المشرفة من الأعلى وحركة الطواف حولها، إضافة إلى رسوم لمساجد شهيرة مثل مسجد الشيخ زايد في خورفكان، ورحلات عالمية شملت ممرات وأماكن من مدن عالمية مثل ملبورن الأسترالية.

وعن الجانب التقني، ذكرت الشامسي أن العمل مر بمراحل معقدة لضمان ديمومته وصلابته، شملت التشكيل الأولي الذي بدأت من خلاله تشكيل الأوراق والأجزاء باستخدام الطين الخام، ثم الحرقة الأولى التي يتم فيها إدخال القطع إلى الموقد لتكتسب التماسك الأولي، مروراً بمرحلة الرسم والتحبير حيث استخدمت قلم الرصاص لرسم التفاصيل، ثم اعتمدت تقنية التحبير باستخدام «الجليز» لإضفاء اللمعان واللون، ثم وصولاً إلى المرحلة النهائية التي يخضع فيها العمل لحرقة ثانية تجعله قطعة متينة مقاومة للعوامل الخارجية ولا تتأثر بمرور الزمن.

من جانبها، أوضحت الفنانة التشكيلية الأردنية مجد الحباشنة أن عملها الفني في «بيت الخزف» مثل تجربة بصرية فريدة تدمج بين جماليات الخط العربي وعنفوان الخيل، وأن العمل يتكون من 300 حرف عربي صُممت ببراعة خط الثلث، تتشابك مع 20 خيلاً، في تكوين أطلقت عليه اسم «رمحة حروف»، مشيرةً إلى أنها استلهمت هذه التسمية من حركة الخيول السريعة لتعبر بها عن تدفق الحروف العربية وانسيابيتها.

وأشارت الفنانة، في حديثها، إلى أن الجوهر الحقيقي للعمل يكمن في فلسفة الضوء والظل؛ إذ ركزت على إبراز العلاقة الجمالية بين انعكاسات الحروف وسطح الخزف والضوء المسلط، لافتةً إلى أنه تم تخصيص غرفة مشيدة لهذا العرض، صُممت بدقة للتحكم في زوايا الإضاءة وضمان الحصول على النتيجة الفنية المرجوة التي تمنح الظلال بُعداً درامياً.

وذكرت الحباشنة أن هذا التكوين الفني يكتمل بوجود تمثال في القاعدة يحمل اسم «الرمحة الخالدة»، ليكون ركيزة لعملها الرئيس، مؤكدةً أن الهدف تقديم رؤية فنية معاصرة تحتفي بالهوية والخط العربي بأسلوب مبتكر.