أصبحت الثقافة في دبي محركاً فاعلاً في صياغة وتعزيز ركائز التنمية المجتمعية والاقتصاد الإبداعي وبناء مستقبل المدن، فالمشهد الثقافي في الإمارة متنوع يحفل بالمنصات التي تحتضن الفن والمعرفة والابتكار.

حيث استطاعت معه أن توظف مقوماتها الثقافية في صناعة نموذج متكامل يربط الإبداع بالتطور والتقدم ويجعل من الثقافة لغة عالمية للتواصل والتأثير وجسراً يلتقي عنده المفكرون والمبدعون والمستثمرون من مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا السياق، أوضح نجيب محمد العلي، المدير التنفيذي لسلطة مدينة إكسبو 2020 دبي، أن دبي ودولة الإمارات معروفتان بقدرتهما على مواكبة أحدث المستجدات العالمية في مختلف المجالات، لا سيما في القطاعات العلمية والتكنولوجية والصناعات المتقدمة.

وأشار إلى أن هذا النهج القائم على الانفتاح واستقطاب التجارب العالمية الجديدة، سواء في مجال التكنولوجيا أو التقنيات الحديثة أسهم في بناء بيئة حاضنة للابتكار وقادرة على تحويل المعرفة والخبرات العالمية إلى عناصر داعمة للنمو الاقتصادي والإبداعي.

وأضاف: «إن مدينة إكسبو 2020 دبي، وفي مرحلة ما بعد الحدث العالمي لإكسبو 2020، استطاعت الاستفادة من الإرث الذي خلفه الحدث والبنية التحتية التي أُسست خلاله لتنجح في استقطاب الشركات العالمية من مختلف القطاعات ما عزز مكانتها كمنصة مستدامة للابتكار ومكون فاعل في منظومة الاقتصاد الإبداعي في دبي».

قال راشد عارف الشيخ، مدير إدارة الاستراتيجية والأداء في هيئة الثقافة والفنون في دبي: «نجحت دبي عبر ما حققته من إنجازات لافتة طوال مسيرتها، في ترسيخ حضورها على الخريطة العالمية كمدينة جاذبة للمبدعين والكفاءات المميزة.

وتمكنت بفضل تفرد نهج القيادة الرشيدة ورؤاها الطموحة وإيمان قادتها ومسؤوليها ومؤسساتها، بأهمية الثقافة ودورها في الارتقاء بالمجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة، من تصدر مؤشر عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات الثقافية والإبداعية لعام 2024.

ونجحت في استقطاب 971 مشروعاً في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية خلال العام نفسه، ما أسهم في ارتفاع إجمالي تدفقات رؤوس أموال مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع إلى 18.86 مليار درهم، إلى جانب توفير 23517 فرصة عمل جديدة في القطاع.

وتابع: «إن هذه الثمار تعكس حجم واتساع تأثير الإمارة على الساحة الثقافية العالمية، وتبرز ما تتمتع به من سياسات واستراتيجيات مؤثرة وبيئة تشريعية واستثمارية جاذبة وداعمة للقطاع الإبداعي، إضافة إلى ما تمتلكه من حاضنات للمشاريع الريادية والناشئة، وما توفره من فرص تسهم في تعزيز أداء القطاع وإثر المشهد الثقافي المحلي».

ولفت راشد عارف الشيخ إلى حرص «دبي للثقافة» عبر مبادراتها المتنوعة، على الاستثمار في الإنسان بوصفه محركاً أساسياً للاقتصاد الإبداعي. وأضاف: «تسعى الهيئة من خلال شراكاتها الاستراتيجية مع المؤسسات والمراكز الثقافية المحلية والعالمية، وتوفير البرامج التدريبية والمنح والمبادرات التعليمية إلى توفير منصات مبتكرة قادرة على دعم المبدعين وأصحاب المواهب وروّاد الأعمال والمستثمرين.

وتلبية متطلباتهم وتوفير ما يحتاجونه من فرص وتسهيلات، إلى جانب تحفيز روح الابتكار لديهم وتمكينهم من مواصلة مسيرتهم المهنية، وإطلاق العنان لأفكارهم المتميزة ومشاريعهم المتنوعة التي تسهم في دعم اقتصاد دبي الإبداعي، ما يعكس أداء وواقع القطاع الثقافي في الإمارة، ويبرز قدرته على المساهمة في تشكيل مستقبلها».

منصة الفن

من جهته، قال الدكتور وليد آل علي، الأمين العام للمدرسة الرقمية، إن دبي أصبحت وجهة رئيسة للمفكرين والمبدعين والمستثمرين، ولم تعد تعرف فقط كوجهة سياحية بل كمدينة جاذبة لمختلف الأنشطة الثقافية والإبداعية.

وأوضح أن دبي نجحت في بناء مشهد ثقافي وإبداعي واسع ومؤثر استقطب فيه مبدعين وفنانين من دول المنطقة والعالم، مشيراً إلى ما شهدته الإمارة مؤخراً من معارض وفعاليات نوعية حظيت بزخم عالمي وأسهمت في ترسيخ مكانتها كمنصة دولية للفن والإبداع ومكان يلتقي فيه الفنانون لتقديم أعمالهم والمشاركة في هذا الحراك الثقافي المتنامي.

وأضاف وليد آل علي: «يتجلى هذا التوجه الإبداعي في مساقات ومناهج عمل المدرسة الرقمية في مبادرات إنسانية وتنموية مبتكرة، إذ تعمل المدرسة الرقمية في دول محتاجة حول العالم، ومن أبرز مبادراتها إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية وتجديدها وتوفيرها للطلاب المحتاجين داخل الدول وخارجها.

كما أن المدرسة أطلقت أيضاً مبادرة فنية تعليمية جرى من خلالها استخدام الأدوات والقطع الإلكترونية والمخلفات الرقمية، وتحويلها إلى أعمال فنية بالتعاون مع مجموعة من الشركاء والطلاب، حيث قام الطلبة بصناعة قطع إلكترونية من المخلفات الإلكترونية في رسالة تجمع بين دعم التعليم وتعزيز الوعي البيئي وترسيخ مفاهيم الاستدامة والابتكار».

بيئة إبداع

وأكد المخرج إبراهيم بولحيول، أن دبي نجحت في استثمار بنيتها الثقافية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الإبداعي لأنها سباقة في هذا التوجه منذ سنوات طويلة، فمنذ طفولتنا كنا نرى مشاريع مرتبطة بالإبداع والفن والثقافة ثم نكتشف لاحقاً أن خلف هذه المشاريع فرق عمل كبيرة تعمل وفق استراتيجية واضحة وتوجه عام راسخ في دبي. وبين أنه مع مرور الوقت أصبحت هذه المبادرات جزءاً من منظومة متكاملة.

فقد شهدت دبي منذ أكثر من 12 و15 عاماً فعاليات ومشاريع رائدة مثل «دبي كانفس» ومعرض «سِكّة» و«دبي آرت»، وهي محطات أسست لحراك ثقافي مستدام.

وتابع إبراهيم بلحيول: كما يظهر هذا التوجه بوضوح في الفضاء العام من الشوارع إلى المرافق اليومية حيث لا تُقدم دبي كمدينة متقدمة في بنيتها التحتية فقط بل كمدينة مدموج فيها الفن ضمن تفاصيل الحياة اليومية وذلك في إطار ما يُعرف اليوم بمفهوم الهوية البصرية للمدن (City Branding).

ولفت إلى أن دبي تتميز ببيئة يومية تحتضن الإبداع سواء في المقاهي أو أماكن التسوق أو المطاعم، حيث أصبح الفن جزءاً من التجربة الحياتية فيها، وقد لعبت العلامات التجارية دوراً محورياً في دعم المواهب المحلية من مواطنين ومقيمين عبر التعاون معهم في تطوير حملات ومشاريع وإطلاق منتجات سواء كشراكات أو من خلال تصميم هذه المنتجات.

وختم حديثه مؤكداً أن هذا التكامل لا يقتصر على القطاع الخاص فقط، بل يشمل الجهات الحكومية التي برعت في ترسيخ دبي كمنصة عالمية لإطلاق المشاريع وتعزيز الحضور الإبداعي مستفيدة من موقعها الذي يربط آسيا بأوروبا وأمريكا الجنوبية.

وفيما يخص المستقبل فمن المتوقع أن يشهد القطاع الإبداعي في دبي دخول الذكاء الاصطناعي بقوة خلال السنوات المقبلة. ومن خلال تجربتي الشخصية أرى أن هذا التحول سيفتح فرصاً واسعة حتى للأشخاص غير المتخصصين في الفن ليتمكنوا في هذا المجال عبر اكتساب مهارات جديدة من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي.