لم تكن الألعاب الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مجرد تسلية عابرة للأطفال، بل كانت جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة الاجتماعية، وركناً مهماً في تنمية شخصية الأبناء، وتعزيز مهاراتهم الجسدية والذهنية، فقد أدرك المجتمع منذ القدم أهمية اللعب في تنشئة الطفل وتحفيزه على التفكير والإبداع، فكانت الساحات الرملية والأفنية البسيطة مسرحاً واسعاً للمرح والتعلم.

تميّز المجتمع الإماراتي قديماً بروح التعاون والتكاتف في كل تفاصيل الحياة، فانعكس ذلك على ألعاب الأطفال، التي حملت طابعاً جماعياً، خلافاً لما هو موجود في بعض المجتمعات، التي تعزز الفردية في اللعب، فكان الأطفال يجتمعون، صبية وفتيات، في حلقات كبيرة، فيتشاركون الضحكات والأهازيج التي توارثوها، جيلاً بعد جيل.

وقد اختلفت الألعاب بحسب أدوار الجنسين، فألعاب الأولاد ارتبطت بالقوة والشجاعة والمنافسة واللياقة البدنية، واحتاجت لمساحات واسعة للجري والقفز، بينما تركزت ألعاب البنات على الرشاقة، والخيال، والحس الاجتماعي، وتمارس عادة بالقرب من المنازل وبأدوات بسيطة.

ألعاب تحتفي بالمناسبات

في المناسبات الاجتماعية المختلفة، سواء عند قدوم الأعياد أو عودة الغواصين من رحلات البحث عن اللؤلؤ، أو الاحتفالات بمولود جديد، كانت الألعاب الجماعية تجمع الأطفال في الفريج تحت أنغام أغنيات خاصة بهذه المناسبات، ما يعزز الترابط بين أبناء الحي ويشعرهم بالفرح والانتماء.

ومع تقدم الأطفال في العمر يصبح الفصل بين الجنسين في اللعب أمراً متعارفاً عليه، التزاماً بالقيم التي تربى عليها المجتمع الإماراتي حتى سن الزواج.

أشهر الألعاب الشعبية الإماراتية:

- لعبة الكرابي: هي لعبة شعبية إماراتية تراثية تعتمد على الموازنة والقوة البدنية يلعبها فريقان، ويتنافس فيها لاعبان من كل فريق، حيث يمسك كل منهما بقدم واحدة ويقفز عليها، بينما يحاول الآخر عرقلته، وتهدف اللعبة إلى الوصول إلى خط الفريق الآخر أو محاولة إسقاط المنافس أرضاً.

- خبز رقاق: تعد لعبة خبز رقاق من الألعاب الشعبية بين الأطفال الصبيان، وتعتمد على اللياقة البدنية، يشارك في اللعبة مجموعة من الأطفال، ينحني أحدهم كما في الركوع، ويسمى «لاعب الهول»، بينما يقفز الآخرون من فوق رأسه متجنبين ملامسته أو السقوط، يضع كل لاعب يديه فوق ظهر لاعب الهول أثناء القفز كما في عملية عجن الخبز، لذا سميت بـ «خبز رقاق».

- لعبة الغميضة: تشارك مجموعة من الأطفال في لعبة الغميضة، حيث يتم تغطية أعين أحدهم، ويبدأ بالبحث عن الآخرين، من خلال تتبع أصواتهم أو حركة خطواتهم، يستمر في محاولة الإمساك بهم، وعندما ينجح في الإمساك بأحدهم، يحل محله في البحث، تعرف هذه اللعبة أيضا باسم «الغميضة».

- لعبة الشقحة: تنتشر لعبة الشقحة بين الفتيات في الإمارات، حيث تجلس فتاتان متقابلتان، بينما تبدأ الفتيات الأخريات بالقفز من فوق أرجلهما، إذا لمست إحدى الفتيات أقدام الجالسات خلال القفز تعتبر خاسرة.

- لعبة التيلة: هي من الألعاب الشعبية في الإمارات، والعديد من دول العالم العربي، تستخدم كرات زجاجية صغيرة وملونة، يلعبها الأطفال بهدف جمع أكبر عدد ممكن من التيل، تشتهر هذه اللعبة بين الأطفال عبر الأجيال، وفي بلدان مختلفة، ولكن بأسماء متنوعة.

- لعبة الدوامة: تعرف أيضاً بلعبة الزيوت أو البلبل، وتكون عبارة عن خشبة مخروطية الشكل يمسكها أحد الأطفال، ويدورها بأطراف أصابعه على الأرض، فتبدأ الدوامة بالدوران بسرعة، يتنافس الأطفال لجعلها تدور لأطول فترة ممكنة.

حفظ التراث وذاكرته

تعد الألعاب الشعبية ذاكرة حية، تعكس القيم الإماراتية الأصيلة (التعاون، الشجاعة، الأخلاق، الصبر، وحب الحياة)؛ ورغم التطور التكنولوجي، الذي سيطر على اهتمامات الأطفال اليوم، تبقى هذه الألعاب رمزاً للبساطة والفرح، وجسراً يربط الأجيال بحياة الأجداد.

فإحياء هذه الألعاب ليس مجرد حفاظ على تراث جميل، بل هو استثمار في تربية جيل يعرف جذوره جيداً، ويعتز بما تركه الآباء والأجداد من إرث قيم، يستحق أن يبقى حاضراً في ساحات اللعب، وفي ذاكرة الوطن.

جهود الدولة في إحياء الألعاب الشعبية

وفي ظل التغير السريع في أنماط حياة الأطفال وتوجههم نحو الألعاب الإلكترونية حرصت مؤسسات الدولة الثقافية والتراثية على إحياء الألعاب الشعبية كونها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، فقد عملت الجهات المختصة على تنظيم مهرجانات تراثية سنوية، تتضمن أركاناً مخصصة لألعاب الصغار قديماً، مثل مهرجانات «التراث البحري» و«أيام الشارقة التراثية» وفعاليات «مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث».

حيث تعرض الألعاب وتمارس عملياً بمشاركة الأطفال والزوار، كما تبنت المدارس والمراكز الصيفية مبادرات تعليمية تعرّف النشء بهذه الألعاب، وتتيح لهم ممارستها بشكل جماعي، تعزيزاً للروح الاجتماعية وتنمية لياقتهم البدنية.

إضافة إلى إنتاج مواد توثيقية مرئية ومكتوبة، تسرد طرق لعبها وقيمها التربوية، ويأتي ذلك منسجماً مع رؤية الإمارات في حماية التراث غير المادي، وصونه للأجيال القادمة، ليظل حياً في ذاكرة الوطن وحاضراً في قلوب أبنائه.

إن الألعاب الشعبية الإماراتية تمثل ذاكرة وتاريخاً، وحكايات حافلة بالجماليات والقيم. وهي في العموم، مخزون ذاكرة شعبية تحفل بسمات المكان، ولا تزال مشروعات وقصص إحيائها شاغلاً مهماً لشتى الجهات المجتمعية المتخصصة في الدولة.