في قلب دبي، حيث تعانق الشمس رمال الصحراء، وتهمس الريح بأسرار الطبيعة، لم يعد الفن حبيس الجدران الصماء أو القاعات المغلقة، بل انطلق ليتنفس الحرية في فضاء محمية المرموم الرحب.

هناك، حيث تلتقي الأصالة بالحداثة، وُلد معرض «المرموم: حياة البرية»؛ ليكون أول تجربة من نوعها تحوّل قيادة السيارة وسط الكثبان إلى رحلة بصرية ساحرة، تذوب فيها المسافات بين المشاهد وعناصر البيئة المحلية.

 فبين ضوء يراقص الظلال في لحظات الشروق، وصبر طال خلف عدسة المصور الإماراتي علي خليفة بن ثالث، تنكشف لنا 24 لوحة فنية ليست مجرد توثيق للحظة عابرة، بل هي رسالة وطنية وقصة بصرية مكثفة تروي تفاصيل التنوع الحيوي، من صمود الثدييات الصحراوية إلى تحليق الطيور المهاجرة.

إنه ليس مجرد معرض، بل دعوة للتأمل في جماليات الاستدامة، وجسر تقني يجمع بين عبق التراث والتقنيات الحديثة، ليعيد صياغة علاقتنا بالأرض بأسلوب عصري يرسّخ مكانة المرموم وجهة طبيعية تجمع بين الفن والمعرفة.

وأكدت شيماء راشد السويدي، المدير التنفيذي لقطاع الفنون والتصميم والآداب في هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة)، لـ«البيان»، أن الهيئة تسعى من خلال معرض «المرموم: حياة البرية» إلى نقل الفنون من القاعات المغلقة إلى فضاء مفتوح يعكس هوية المكان ويعزز العلاقة بين الإنسان والطبيعة، موضحةً أن المعرض، الذي يُعد الأول من نوعه، يهدف إلى تسليط الضوء على جماليات محمية المرموم الصحراوية بوصفها نظاماً بيئياً حياً، وإبراز عناصرها الطبيعية التي تشكل جزءاً أساسياً من البيئة والثقافة المحلية.

وأشارت إلى أن هذه المبادرة تنسجم مع مسؤوليات الهيئة والتزاماتها الهادفة إلى جعل الفن في متناول الجميع، وحفظ وصون التراث الثقافي المادي وغير المادي المحلي، وإبراز قيمته وتوسيع حضوره على الخريطة العالمية، مبينةً أن المعرض يتفرد بفكرة تتيح للجمهور زيارته بسياراتهم الخاصة، ما يحول القيادة إلى رحلة بصرية وثقافية مميزة تجعل الفن جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية وأداة لرفع الوعي والتحفيز على التأمل في الجمال المحيط.

وفي ما يخص دور الفنون في الحفاظ على البيئة، ذكرت السويدي أن التصوير الفوتوغرافي يشكل أداة فعالة في تعزيز مفاهيم الاستدامة عبر تحويل المشهد الطبيعي إلى رسالة بصرية مؤثرة تشجع الحوار حول قضايا الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي، مضيفةً إن فن التصوير يؤدي دوراً مهماً في توثيق التراث الطبيعي ورفع الوعي بأهمية محمية المرموم، كما يسهم في تشكيل ذاكرة بصرية حية تقوي ارتباط الجمهور بالمكان.

وشددت شيماء السويدي على دور المعرض في إعادة تقديم محمية المرموم بوصفها فضاءً حيوياً يجمع بين الطبيعة والفن والمعرفة، مؤكدةً أن هذا السرد البصري يثري المحتوى الثقافي ويدعم السياحة الثقافية المستدامة، ما يرسخ حضور المحمية وجهة سياحية مرموقة تجمع بين الاستكشاف البيئي والتفاعل الفني، بما يعكس تطلعات دبي إلى حماية البيئة وتنمية الاقتصاد الإبداعي.

رسالة وطنية

من جانبه، كشف علي خليفة بن ثالث، الأمين العام لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، عن كواليس معرض «المرموم: حياة البريّة»، موضحاً أن هذا العمل يمثل أكثر من مجرد توثيق فني، بل هو رسالة وطنية تهدف إلى صون التراث الطبيعي الإماراتي وتعزيز الوعي البيئي لدى الأجيال القادمة.

وأكد أن التحدي الأكبر كان العمل في بيئة صحراوية قاسية ومتغيرة باستمرار، مشيراً إلى أن درجات الحرارة المرتفعة، والعواصف الرملية، والإضاءة التي تبدل ملامحها بسرعة بين الشروق والغروب، فرضت شروطاً تقنية صعبة على عملية التصوير.

ولفت إلى أن التحدي لم يقتصر على المناخ فحسب، بل شمل الجانب اللوجستي والتقني، قائلاً: «تتطلب الطبيعة البرية صبراً طويلاً واحتراماً تاماً لحياة الكائنات دون إزعاجها أو تغيير سلوكها. الوصول إلى المواقع الحساسة داخل المحمية استدعى تخطيطاً دقيقاً ومعرفة عميقة بمواسم النشاط الحيوي للكائنات».

وأكد أن صور المعرض الـ24 تم اختيارها بعناية فائقة لتمثل النظم البيئية الأساسية والموائل الحيوية داخل محمية المرموم، منوهاً بأنه حرص على تقديم طيف متوازن يشمل الطيور المهاجرة، والثدييات الصحراوية، والزواحف، والمشاهد الطبيعية الواسعة، وبذلك لا تكتفي الصور بإظهار الجمال، بل تكشف عن شبكة العلاقات البيئية المتكاملة، لتتحول المجموعة إلى خريطة بصرية مكثفة للتنوع الحيوي.

ونظراً لأن المعرض يقدم تجربة مشاهدة فريدة من داخل السيارات، أوضح بن ثالث أنه اعتمد تكوينات بصرية قوية وواضحة يمكن قراءتها بسرعة من مسافة متحركة.

وفي ختام حديثه، وجَّه بن ثالث رسالة جوهرية إلى المصورين الإماراتيين، داعياً إياهم إلى النظر إلى الكاميرا بوصفها أداة لحفظ الذاكرة الطبيعية للبلاد، ومشدداً على أن توثيق التراث البيئي مسؤولية ثقافية ووطنية.