بين أزقة النسخة الـ14 من مهرجان سكة للفنون والتصميم في حي الشندغة التاريخي بدبي، التي اختتمت فعالياتها أول من أمس، تحفظ صدى الحكايات الأولى، وتفتح نوافذها على أسئلة الفن المعاصر، تتقدّم الفنون البصرية بوصفها جسراً نابضاً يصل الذاكرة بالخيال، ويعيد تشكيل الزمن في لوحات، وأصوات، وتجارب تتجاوز حدود المشاهدة إلى عمق الشعور.

هنا، لا تُعرض الأعمال الفنية بوصفها نتاجاً جمالياً فحسب، بل باعتبارها شهادات حيّة على هوية تتجدد، وسرديات شخصية ووطنية تتقاطع في فضاء إبداعي واحد.

وفي هذه التجربة، يستدعي الفنانون الإماراتيون ملامح «زمن الطيبين» من قلب الذاكرة، ويعيدون قراءته بأدوات معاصرة، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة، من خيوط «التلي» و«المرية» الذهبية إلى الصور الفوتوغرافية القديمة وأصوات المكان، إلى مفاتيح بصرية وسمعية لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية.

وخلال جولة فنية وسط أعماله الفنية، كشف الفنان الإماراتي حمد الشامسي، لـ«البيان»، عن ملامح فلسفته الإبداعية التي تمزج بين الواقع التراثي والخيال الفني، مؤكداً أن أعماله ليست مجرد لوحات، بل هي محاولة لاستعادة «زمن الطيبين»، وتوثيق الهوية البصرية الإماراتية من خلال قصص حقيقية وشخصيات تركت أثراً في الذاكرة الجماعية.

واستهل الشامسي حديثه بتسليط الضوء على لوحته «علياء نستولوجيا»، موضحاً أنها تجسد شخصية حقيقية، وأن اللوحة تستحضر تفاصيل يومية عاشها المجتمع الإماراتي في الماضي القريب، حيث تبرز فيها خيوط «التلي» كملابس يومية اعتادت النساء ارتداءها، و«وردة الجهنمية» التي كانت تزين كل بيت إماراتي.

وانتقل الشامسي للحديث عن ثلاثية فنية مرتبطة بعضها ببعض من خلال عامل بصري موحّد وهو «المرية» (عقد الذهب التقليدي)، مبيناً أنها القطعة الأكثر تميزاً في أطقم الذهب الإماراتية؛ لذا اعتمدها كثيمة أساسية في أعماله، وأن هذه الأعمال تعكس ثقافة ارتداء الذهب والزينة في التجمعات النسائية والمناسبات الاجتماعية.

وتحدث الشامسي عن لوحته المستوحاة من قصة واقعية لإحدى الشخصيات التي عاشت في الأربعينيات؛ استند في رسمها إلى صورة حصرية للباحث سعيد السويدي، مشيراً إلى أن العمل يخلّد لحظة الاحتفاء بحفظ القرآن الكريم، ما يمنح اللوحة عمقاً قصصياً يجمع بين الرسالة الفنية والتوثيق التاريخي.

واختتم الشامسي حديثه بالتطرق إلى الجانب التقني للمعرض، مشيداً بالتعاون مع الخبراء في «سكة».

تفاصيل دقيقة

من جانبها، كشفت الفنانة الإماراتية غاية حاضر الحميري عن الرؤية الفنية الكامنة وراء أحدث أعمالها التشكيلية، مؤكدة أن الإلهام الفني ينبع لديها من التفاصيل الدقيقة للذاكرة الشخصية والوطنية، ومن الصور التي تعيد تشكيل الوعي بالماضي.

وأوضحت أن أحد أعمالها الفنية البارزة استلهمته من صورة فوتوغرافية قديمة عثرت عليها في ألبوم والدها، مشيرة إلى أن اللوحة، التي نفَّذتها باستخدام أقلام الرصاص والفحم، تجسّد شخصية عم والدتها في مرحلة شبابه، حيث تعمدت إبراز التباين بين التفاصيل الدقيقة في جانب من اللوحة والضبابية في الجانب الآخر؛ لمحاكاة طبيعة الحلم أو الذكرى التي قد يصعب على المرء استحضار كامل تفاصيلها.

ولفتت إلى عمل فني يوثق قصيدة للشاعرة الإماراتية الراحلة عوشة بنت خليفة السويدي «بنت العرب»، مؤكدة أن اللوحة تعكس ذكرياتها مع جدتها التي كانت تسرد الشعر بمهارة فائقة من الذاكرة، وأن تصوير المرأة المسنة مغمضة العينين يرمز إلى الحكمة والنضج والاكتفاء بالبصيرة الداخلية، بينما تظهر في اللوحة الفتاة الصغيرة بعينين مفتوحتين، في دلالة رمزية على الشغف والرغبة في التعلّم والنهل من نبع الحكمة.

واختتمت الحميري حديثها بالإشارة إلى لوحة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، خلال رحلة قنص، مؤكدة أن اختيارها هذا المشهد جاء لما يحمله من رمزية عميقة.

تجربة سمعية

وأوضحت الفنانة سارة كمار أن عملها الفني الأحدث يرتكز على المزج بين الفن التركيبي والأداء الصوتي، بهدف تقديم تجربة بصرية وسمعية ترمز إلى محطات الماضي والحاضر والمستقبل في دولة الإمارات، مشيرة إلى أنها وظفت ثلاث ساعات تعمل في آن واحد لتقوم بـ«رسم الوقت».

ولفتت إلى أن الهدف من هذه الفكرة هو تحويل الزمن من مفهوم مجرد وغير ملموس إلى علامة مادية مرئية يمكن للمشاهد معاينتها، مضيفة أن الحركة التي تظهر في العمل تحاكي بدقة عقارب الساعة؛ للدلالة على المدة الزمنية ومراحل التطور التي مرت بها الدولة.

وفيما يخص الجانب السمعي، بينت الفنانة أن المكون الصوتي للعمل يتضمن تسجيلات حية من مختلف إمارات الدولة، تشمل أصواتاً من الطبيعة، والبيئة المحلية، والموسيقى، وأصوات الناس.