تتجاوز الأبواب التراثية في الإمارات كونها مجرد عناصر معمارية قديمة صامتة، وتكتسب قيمة كبرى من حيث إنها عتبات للذاكرة وخرائط خفية للحياة التي عبرت منها؛ فعند خشبها المعتّق ومعدنها المشغول بعناية، توقّف الزمن ليترك بصماته، وحُفرت حكايات البيوت الأولى، بما حملته من دفء وطمأنينة وكرم أصيل.

هناك، عند تلك الأبواب، تشكّلت علاقة الإنسان بمكانه، وتجلّت خصوصية الفضاء الذي يحمي الداخل ويستقبل العابرين، حاملاً رموز الأمان والضيافة والانتماء، ومن هذا الإرث الغني بالتفاصيل والدلالات، وجد الفنانون الإماراتيون مادة بصرية وروحية لا تنضب، فحوّلوا الأبواب إلى مفردات تشكيلية نابضة بالحياة، تستحضر الذاكرة وتستدعي روح المكان.

وبين نقوش الخشب، وتوازن التكوين الهندسي، ولعب الضوء والظل، أعاد الفن قراءة تلك الشواهد المعمارية بوصفها جسوراً تربط الماضي بالحاضر، وتؤكد أن الهوية ليست صورة جامدة، بل حكاية متجددة تتوارثها الأجيال وتُروى بلغة الفن.

وأكد الفنان عبدالقادر الريس، أحد رموز جيل الروّاد في الحركة التشكيلية الإماراتية، في حديثه لـ«البيان»، أنّ الأبواب القديمة في الإمارات أحد أهم الشواهد المعمارية التي حفظت ذاكرة المكان وروح الإنسان، وأنه خلال مسيرته الفنية، استلهم كثيراً من جماليات هذه الأبواب، مشيراً إلى أنها ظهرت بوضوح في عدد من أعماله التي تناولت واجهات البيوت الشعبية والمشربيات والنقوش الخشبية التي كانت جزءاً أصيلاً من التفاصيل اليومية للحياة الإماراتية؛ إذ لم تكن الأبواب بالنسبة إليه مجرد عنصر معماري، بل رمزاً للعبور والضيافة والأمان، وحافظة لنبض الزمن ورائحة البيوت الأولى.

وقال الريس: «أما العناصر الجمالية التي تميّز الأبواب الإماراتية، فهي الغنى الخشبي، ودقة النقوش، وتوازن التركيب الهندسي، إضافة إلى الحضور الروحي للضوء والظل عليها، وهي عناصر أسهمت في صياغة رؤية فنية خاصة داخل المشهد التشكيلي الإماراتي؛ لأنها تمثل علاقة الإنسان ببيئته ومساحته الحميمة».

ورأى أن الفنانين في الإمارات نجحوا إلى حد كبير في التفاعل مع هذا الإرث، سواء من خلال إعادة تقديمه بصيغ معاصرة أو توظيف رمزيته في أعمال تحمل روح المكان، موضحاً أن الأبواب القديمة ما زالت تشكّل مصدر إلهام مفتوحاً لجيل من الفنانين الذين يواصلون ربط الماضي بالحاضر من خلال أعمال تحمل بصمة الهوية الإماراتية.

من جانبه، لفت الفنان عبدالله النيادي، أحد رموز جيل الشباب في الحركة الفنية الإماراتية، إلى أن الأبواب القديمة في دولة الإمارات تُعد جزءاً أصيلاً من الذاكرة البصرية للمكان، وأحد الرموز التي استند إليها في عمله الفني «البوابات الأبدية»، مؤكداً أنه استلهم في هذا العمل الجاذبية الآسرة للبوابات المعدنية في الأحياء الإماراتية، بما تحمله من ألوان نابضة وزخارف دقيقة وصنعة يدوية تجسد روح المجتمع، فكل باب يحمل قصة ويعكس هوية من سكن خلفه، ويخلق في الوقت نفسه شعوراً بالانتماء عبر الزمن.

وقال النيادي: «ترمز هذه البوابات إلى حقبة مهمة من تاريخ الإمارات، حين تشكلت اللغة العمرانية والبصرية للمدن عبر جهود مهندسين وحرفيين وفدوا من مجتمعات عديدة وتركوا بصمتهم في المشهد المحلي، ما يعكس طبيعة الإمارات موطناً يحتضن تنوعاً ثقافياً»، مبيناً أن عمله الفني يتكون من 6 بوابات معدنية مرتبة في تشكيل دائري يمنح المتلقي تجربة تفاعلية، وألوانها مستمدة من الأبواب التراثية، وزخارفها تعكس مهارة الحرف التقليدية التي حولت المعدن البسيط إلى فن نابض بالحياة، مع تحقيق توازن بين الجمال والبنية لضمان حضور طويل الأمد.

وأضاف: «يعد هذا الموضوع غنياً بالذكريات خاصة للفنانين الشباب.

وبرغم كثرة تناوله، فإن كل فنان يقدم رؤية مختلفة تبعاً لخبراته وبيئته، ما يبرهن على ثراء الإرث وقدرته على توليد تفسيرات متعددة.

ومشاهدة أعمال الآخرين المستلهمة من هذه الأبواب تمنحني متعة خاصة؛ لأنها تؤكد أن الباب يظل رمزاً حياً يعبر عن الذاكرة والهوية ويتجدد مع كل جيل».