في خريف عام 1996 نجح فيلم متواضع بميزانية متوسطة دارت أحداثه حول أربع فتيات منبوذات في مدرسة ثانوية كاثوليكية بلوس أنجلوس، في تغيير ملامح المشهد الثقافي بأسره. لم يرتكز فيلم «The Craft» للمخرج أندرو فليمنغ على ممالك شاسعة أو نبوءات قديمة، بل تجسد في أحذية عسكرية ثقيلة، وأحمر شفاه داكن وملطخ، ومجموعة من الفتيات المراهقات اللواتي يستحضرن عناصر الطبيعة وقواها في فسحة من الغابة.

وفي العام ذاته، أطل عبر شاشات التلفزيون مسلسل السيت كوم المبهج والحيوي «Sabrina the Teenage Witch»، ليُحوّل السحر والشعوذة إلى استعارة طريفة وخفيفة لأزمة تحديد الهوية لدى المراهقين.

ومع العرض الأول للمسلسل التلفزيوني «Charmed» عام 1998، والذي رسخ مفهوم «قوة الثلاثة» في القاموس الثقافي العام، كانت صورة الساحرة قد خضعت بالفعل لتحول جذري واكتسحت السينما السائدة.

واختفت تماماً تلك الشخصية الهزيلة، العجوز، وذات البشرة الخضراء الشريرة التي طالما استوطنت الفولكلور القديم، ليحل محلها رمز ثقافي جديد كلياً: شابة، أنيقة، مستقلة بشراسة، وذات نفوذ وقوة لا جدال فيهما.

​ولم يكن هذا الانفجار المفاجئ للمحتوى المتمحور حول الساحرات في أواخر تسعينيات القرن الماضي مجرد مصادفة إبداعية عابرة، بل كان التجلي التجاري الواقعي لنقلة ثقافية عميقة حلت بالمنطقة: وهي وصول وتجذر «الموجة النسوية الثالثة».

وعلى النقيض من التركيز الهيكلي والتشريعي للموجة النسوية الثانية، منحت «الموجة الثالثة» الأولوية المطلقة للقدرة الفردية على الفعل، والتعبير عن الذات، وتقويض الأعراف الأبوية السائدة.

ومن هنا، تحولت «الساحرة» - وهي التي كانت تاريخياً رمزاً يوظفه المجتمع لشيطنة النساء اللواتي يتجرأن على تخطي الحدود الاجتماعية المرسومة لهن - إلى الأيقونة الأبرز لاسترداد الحقوق والسيادة الذاتية.

فأن تكون المرأة ساحرة آنذاك يعني أن تملك صوتاً مسموعاً، وأن تقبض على زمام القوة في وقت يفضل فيه المجتمع صمتها، وأن تجد مكمن القوة في التضامن والتعاضد النسوي.

​وقد تزامنت هذه اليقظة الفكرية والسياسية بشكل مثالي مع تحول جذري في اقتصاد وسائل الإعلام؛ إذ ظهرت شبكات تلفزيونية ناشئة (مثل WB وUPN) استهدفت خصوصاً شريحة المراهقين والشباب.

وأدرك المديرون التنفيذيون في التلفزيون أن الشابات يمثلن سوقاً واعدة ومربحة للغاية لم تُستغل بعد، فقاموا بتغليف جماليات هذا التمكين وتقديمه كمنتج استهلاكي ضخم ضمن ما عُرف باقتصاد «قوة الفتيات».

​ونتيجة لذلك، تحول السحر إلى أسلوب حياة؛ فاكتسحت المتاجر قلادات المخمل الضيقة والمعاطف الجلدية الطويلة، وبندولات الكريستال. وتداخلت الشاشة مع الشارع في علاقة طردية ملهمة؛ إذ أسهم عرض فيلم «The Craft» بشكل مباشر في إحداث طفرة حقيقية وهائلة في الواقع لإقبال الشباب الغربي على معتقدات «الوثنية الجديدة» و«الويكا» أو عبادة الطبيعة و انتشرت كتب موجهة للمراهقين تروج لمعتقدات غريبة تربط بين السحر والطبيعة والقوة الكامنة داخل النفس البشرية.

أسهمت هذه الطفرة الثقافية والتجارية الموجهة للمراهقين في التطبيع المجتمعي مع فكرة السحر، كونه بوابة لإطلاق القوى الكامنة داخل الأفراد. وهي صورة معاكسة تماماً لتلك السائدة في عقود الستينات والسبعينات، حيث كانت فكرة ممارسة السحر وقتها آثمة ومنبوذة مجتمعياً.

​أما الميزة الأهم، فتمثلت في أن سحر أواخر التسعينيات تميز بكونه قريباً وفي متناول اليد؛ فهذه هي «الفانتازيا المدنية» حيث تتدفق العوالم السحرية وتعمل داخل الجغرافيا اليومية المعتادة للعالم الواقعي.

إذ عاش هذا السحر في غرف نوم الضواحي، وممرات المدارس الثانوية، والمنازل الفيكتورية العتيقة في سان فرانسيسكو. وكانت الرسالة الضمنية والوعود التي تقدمها الشاشة للمشاهد: لست بحاجة للسفر إلى ممالك أسطورية نائية لتبحث عن القوة؛ فهي كامنة في داخلك بالفعل، وتنتظر فقط من يطلق سراحها.

ومع أواخر تسعينيات القرن الماضي، كان هناك خط فاصل وواضح يحكم آليات الإنتاج في هوليوود؛ ففي الوقت الذي ازدهرت فيه «الفانتازيا المدنية» على الشاشة الصغيرة، كانت «الفانتازيا الملحمية» - وهي القصص التي تدور أحداثها بالكامل داخل عوالم خيالية موازية تسكنها التنانين والأقزام والحروب الصليبية الكبرى ذات طابع العصور الوسطى - تُصنف من قِبل استوديوهات السينما الكبرى «مشاريع سامة» ومجازفة إنتاجية غير مأمونة العواقب.

​فقد أقنعت سلسلة من الإخفاقات المدوية ذات العوائد الهزيلة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات (مثل أفلام Krull، وLegend، وWillow) المديرين التنفيذيين بأن الجماهير باتت ترى الفانتازيا المبنية على عوالم افتراضية مجرد أعمال مبتذلة، طفولية، وتفتقر لعناصر الجذب والمحاكاة الواقعية.

​ولكن، حل شهر ديسمبر من عام 2001 ليعيد ترتيب الأوراق كلياً.