وفي هذه اللوحات، نجد أنفسنا أمام تفكيك ذكي لمفهوم الهوية، فالفنان لم يختر قماشاً تقليدياً، بل اختار صفحات الكتب، لتكون هي المسام التي يتنفس من خلالها الوجه، إنها دلالة رمزية عميقة تشير إلى أن هؤلاء العمالقة (نازك الملائكة، محمود درويش، نزار قباني) لم يعودوا أشخاصاً من لحم ودم، بل تحولوا إلى نصوص تمشي بيننا.
وبالنظر إلى العمق الفلسفي لتلك الأعمال، يبدو الوجه كأنه يحاول الخروج من بين السطور، أو كأن الكلمات هي التي شكلت تضاريس هذا الوجه وتجاعيده.
وتشكّل هذه الأعمال تحية للكلمة التي تصنع الإنسان؛ فلقد نجح الفنان في تحويل الكتاب من وعاء للمعلومات إلى مادة خام للجمال، وحين ننظر إلى الصور، نجد أنفسنا أمام مرايا ورقية تعكس أثر الثقافة في نحت هوية المبدع العربي.
وبفلسفة بصرية مبتكرة، يعمد منتظر الحكيم إلى تقليب صفحات الكتب كمنطلق فني، لينساب الزمن بين يدي المشاهد من خلال هذا الجدار الورقي، حيث تتغير الرسومات تدريجياً مع كل صفحة تنقلب، لتجسد رحلة التحول، وتصنع تجلّيات الروح لملامح وجوه تشع بالطمأنينة وكأنها منبثقة من ثنايا الكتب، ما يوحي بأن الشخصية هي نتاج سنوات من البحث والقراءة.
وباستخدام الفحم والرصاص، يكسر الفنان جمود الورق، حيث تنساب الملامح بتدرجات رمادية تتناغم مع سواد الحبر المطبوع، ليخلق تصالحاً بين العقل (النصوص) والعاطفة (الابتسامة والنظرة)، ويوزع اللوحات على وحدات وأوراق منفصلة تمثل فسيفساء الفكر، ليعزز فكرة أن الحقيقة تتشكل من تجميع الرؤى المختلفة، وأن المعرفة تُبنى جزءاً بجزء.
وفي حديثه لـ«البيان»، يوضح منتظر الحكيم رؤيته حول العلاقة بين الشعر والفنون المختلفة التي دعته إلى رسم لوحات أولئك الشعراء الكبار، مؤكداً أن الرسم والشعر والموسيقى جميعها تنضوي تحت مسمى «الفن»، وأن ثمة توافقاً كبيراً بينها؛ لأن الفن التشكيلي فن صوري، في حين يمثل الشعر فناً سمعياً، ما يخلق حالة من التكامل بين الحواس.
وبرغم هذا الإرث الكبير، يفضّل الحكيم التركيز على اختصاصه الفني، ويشير إلى أنه بصفته متلقياً يتذوق الشعر، لكنه يعبّر عن رؤيته من خلال أدواته التشكيلية، ويتكئ على تنوع أساليبه الفنية وعدم تقيده بمدرسة واحدة، منوهاً بأنه قدّم أعمالاً تنتمي إلى المدرسة الواقعية، والتجريدية، والكلاسيكية، والرومانتيكية؛ إذ يمنحه هذا التنوع مساحة أكبر للتعبير والابتكار، واعداً بتقديم المزيد من الأعمال المميزة في المستقبل القريب.