حين ابتدع الرسام الإيرلندي فرانسيس بيكون (1909 – 1992م) لوحات فنية مختلفة في أربعينيات القرن الماضي، أي أيام الحرب العالمية الثانية، كانت تحمل صوراً مروعة لأجساد مضغوطة ومسحوقة وملتوية، وبلا شك كانت صدمة للمجتمع، وحتى بعد سنوات قليلة، وبعد انتقال بيكون إلى عرض صور لحيوانات منعزلة وموحشة، لم تُستقبل هذه اللوحات بعين مرتاحة، بعد الانطباع الأول الصادم لتلك الأجساد المقلوبة، والملامح الذائبة، والأفواه المفتوحة لصراخ لا يُسمع.

بدا للنظر وكأنه تشويه، واعتداء على الجسد، بينما كان الفنان يصر على المشاهد بالتوقف قليلاً، والتأمل، وشيء من محاولة الاقتراب من أجل الكشف، وتبيان منحى الوضوح، بعكس الابتعاد المباشر، وهو ما يجعل اختفاء الملامح ممكناً كلما اقتربتَ من الوجه، وستلاحظ أن الملامح لا تختفي تماماً، بل تُسحب وتُضغط وتعاد صياغتها داخل مساحات لونية كثيفة، وكذلك العين قد تنزاح عن مكانها، والفم يتمدد بشكل مبالغ فيه، ومع ذلك فإن الإحساس بالحضور الإنساني لا يزول.. هذا التوتر بين التعرف والتشويه هو ما يصنع قوة العمل.

فرانسيس بيكون فنان عصري متقدم، ومغاير في فكره، يقدم الجسد كهيئة مستقرة، في لحظة ضغط أو خوف أو ألم داخلي، متعمداً كشف الجرح دون أن يظهر في الشكل المتماسك، ودون أن ننظر إلى الخلفية، وغالباً هي مساحات مسطحة، بألوان حادة أو صافية، تحيط بالجسد، وكأنها قفص.. هذا العزل يجعل الشكل أكثر هشاشة، ويزيد من إحساس العزلة، فيظهر الكائن محاصراً داخل مساحة.

أما الألوان في لوحاته فلها دور أساسي، لنجد الأحمر كإحساس قريب من الجرح أو التوتر، والبنفسجي، والأزرق الداكن، أو الأسود، كلها تعمل على تكثيف الجو النفسي، حتى ضربات الفرشاة تبدو سريعة، وحادة.. ضربات تحاول الإمساك بشيء قبل أن يختفي.. هنا، نحن لا نقرأ اللوحة المشوّهة كما اعتقدنا، نحن نعيد صياغة ما تحت ضغط الذاكرة. فالإنسان حين يتذكر الألم يستعيد أثر صورته القديمة، بملامح غير مكتملة، حركة غير مستقرة، وإحساس يتقدم على الشكل.

يسأل البعض حينما يشاهد هذه الأعمال: من هذا الشخص المُشوّه؟ بينما الشعور في اللوحة هو الذي يحاول إصلاح الشكل والهوية في ذهن المتلقي، الشعور الذي يفهم الجسد في حالة التشوه لا الجمال، وليس كما في اللوحات الكلاسيكية المباشرة، فالتشوه لدى بِيكون أداة لقول ما لا يمكن قوله مباشرة.

وأخيراً، نستطيع أن نفهم، في هذا السياق، أن التشويه في اللوحات الفنية المعاصرة هو لغة تبحث عن الصدق، صدق الإحساس حين يمر عبر الذاكرة، فيخرج مشوشاً، مضغوطاً، ليصبح أكثر قرباً إلى حقيقة الإنسان وذاكرته.

تشويه الذات

صورة ذاتية مشوهة بيعت بالملايين

الشعور الذي يفهم الجسد في حالة التشوه لا الجمال