لم يفلح التغير والتطور العصريان الحادثان في أنماط التعبير الفني وتسارع إيقاع الحياة، في تغييب ألق وقيمة جملة من الفنون الشعبية الإماراتية، التي لا تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها جزءاً من الذاكرة اليومية للمجتمع تتوارثها الأجيال باعتبارها تجربة إنسانية تشكلت في بيئة الصحراء، وعكست تفاصيلها، ويأتي من بين هذه الفنون، فن التغرودة الذي يعد نموذجاً حياً لفن بسيط في شكله، عميق في دلالاته، استطاع أن يعبر الزمن ويستمر بحضوره المؤثر في المشهد الثقافي والحياتي.

«البيان» تسلط الضوء في هذا الاستطلاع على جماليات هذا الفن وسماته، من خلال آراء وأحاديث مجموعة من المتخصصين، حيث أكدوا أنها غنية بذكريات المكان، تروي جماليات قصصه، وتحكي بهاء مفردات الهوية الوطنية.

بداية، يقول عبدالله حمدان بن دلموك، الرئيس التنفيذي لمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، إن التغرودة تُعدّ أحد أبرز وأعمق أشكال التعبير الأدبي في الموروث الثقافي الإماراتي، بل يمكن القول إنها الشِّلة الأكثر خصوصية وتميّزاً في وجدان المجتمع، فهي ليست مجرد لون فني، بل تمثل انعكاساً مباشراً لطبيعة الحياة التي عاشها الإنسان في هذه الأرض، بكل تفاصيلها البيئية والاجتماعية.

وتابع عبدالله حمدان بن دلموك: «نشأنا نحن في دولة الإمارات، في بيئة يغلب عليها طابع البادية والبحر، ورغم ارتباطنا التاريخي بالغوص وتجارة اللؤلؤ، إلا أن نمط الحياة ظلّ أقرب إلى البداوة، حتى لدى أهل الساحل.

وهذه الخصوصية البيئية انعكست على أشكال التعبير الثقافي، ومن بينها التغرودة التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالإنسان الإماراتي، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويته».

واستطرد: «رغم وجود ألوان مشتركة من «الشلات» بين دولة الإمارات وبعض دول الجوار، مثل سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، إلا أن التغرودة تظل فناً خاصاً يتميّز ببنيته الإيقاعية الفريدة، حيث تؤدَّى على لحن واحد، وبقافية واحدة، وقد تمتد لأبيات متعددة دون أن تفقد تماسكها أو إيقاعها، وهو ما يمنحها طابعها المميز ويجعل إتقانها مرتبطاً بأبناء هذه البيئة».

واستطرد عبدالله حمدان بن دلموك: «انطلاقاً من طبيعة مهامنا ورؤانا ومسؤوليتنا في مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، حرصنا منذ تأسيس المركز على توثيق هذا الفن وتقديمه بصورة تليق بمكانته، حيث أنتجنا أعمالاً نوعية، بالتعاون مع نخبة من أبرز الفنانين في دولة الإمارات، منهم: ميحد حمد وعيضة المنهالي، وقدمنا «تغرودات» بروح معاصرة تحمل بعداً وطنياً، شملت أعمالاً وطنية عامة، وأعمالاً مهداة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وقد شكّلت هذه الأعمال نماذج رائدة في إعادة تقديم التغرودة دون الإخلال بأصالتها.

وبالتأكيد نحن نواصل دعم هذا الفن من خلال منصاتنا الإعلامية، وفي مقدمتها إذاعة الأولى، حيث نعمل على تبنّي المواهب الشابة، وتشجيع الإنتاج الفني المرتبط بالهوية الوطنية، خاصة الأعمال التي تستلهم روح التغرودة أو تُبنى على ألحانها البسيطة القريبة من وجدان المجتمع، وقد أسهمنا في إنتاج العديد من الأعمال التي تعزز حضور هذا اللون في الساحة الثقافية.

وبطبيعة الحال، فإننا نؤمن في المركز بأن أحد أهم أدوارنا يتمثل في ضمان انتقال الموروث الشعبي بسلاسة بين الأجيال، بحيث لا يبقى حبيس الماضي، بل يستمر جزءاً حياً من الحاضر والمستقبل.

ومن هنا فإننا نحرص على تقديم التراث بأساليب متجددة تواكب التطور، دون أن تمس جوهره أو تغيّر ملامحه التي ورثناها عن أهلنا الأوليين».

وختم عبدالله حمدان بن دلموك: «لا شك أننا نواكب مناهج التطوير في أدوات التوثيق ووسائل العرض بشأن الفنون الشعبية، ومن بينها التغرودة، لكننا نرفض المساس بثوابت التراث أو إعادة تشكيله بما يُفقده هويته، لأن قوة هذا الموروث تكمن في أصالته، وفي قدرته على البقاء كما هو، مع قابلية ذكية للتجدد في الشكل، لا في المضمون.

وأود الإشارة إلى أننا في مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، ننظر إلى التغرودة بوصفها نصاً ثقافياً عميقاً، لا يقتصر حضوره على كونه فناً شعبياً، بل يمتد ليكون وعاء حاملاً لذاكرة المجتمع وقيمه.

ومن هذا المنطلق فإن مقاربتنا للحفاظ على هذا الفن تقوم على ثنائية متكاملة تجمع بين التوثيق العلمي، وإعادة التقديم الواعي في سياقات معاصرة».

ذاكرة شفاهية

بدوره، قال الباحث المتخصص في التراث، محمد الحبسي: «إن التغرودة انتقلت شفاهياً عبر التكرار، إذ كانت تردد كلمات هذا الفن في الرحلات وطقوس الحياة اليومية، بحيث تُقال وتُعاد حتى تترسخ في الذاكرة.

وإن ما ساعد في انتقالها أيضاً، إيقاعها القصير وبساطة كلماتها، إذ جعلاها سهلة الحفظ وسريعة الانتشار بين الناس قبل أن تكون مجرد فن يؤدَّى».

وأكد الحبسي أن المجالس شكّلت مساحة ومنبراً لتداول التغرودة وتناقلها، حيث كان الناس يجتمعون وتُستعاد هذه الفنون بشكل طبيعي ضمن الحديث والسمر، لافتاً إلى أن الرحلات كانت بيئتها الأصلية، إذ كانت التغرودة تُنشَد أثناء المسير وكأنها رفيق للطريق، وهو ما أسهم في ترسيخها واستمرارها وربطها بتجربة الحياة نفسها.

وتابع: «إن التغرودة ما زالت حاضرة في المجتمع اليوم، لكنها أخذت أشكالاً مختلفة، فنحن نسمعها في المهرجانات التراثية والمناسبات الوطنية والأعراس، إضافة إلى حضورها في الإعلام والمنصات الرقمية، وهو حضور معاصر أسهم في إبقائها حية مع احتفاظها بروحها الأصلية.

ونجد أن أداءها في كل هذه المناسبات يعكس جانباً من الهوية والتعبير الشعبي المرتبط بالمكان والإنسان».

ولفت إلى أن إدراج التغرودة ضمن قائمة التراث العالمي منحها اعترافاً على مستوى أوسع، وأسهم في إعادة تقديمها بأساليب حديثة تتناسب مع الجيل الجديد، ما زاد وعي الشباب بها وعزز ارتباطهم بها، وجعلها أقرب إليهم من مجرد تراث إلى تجربة حاضرة.

قيم متوارثة

من جهته، بيّن الباحث التراثي راشد بن هاشم، أن التغرودة تمثل أبياتاً شعرية قصيرة تُنشد بصوت جميل وموزون، غالباً أثناء السير، خاصة على ظهور الإبل، ولها أثر عميق في التراث الثقافي في بيئة البادية في الخليج وشبه الجزيرة العربية.

وأشار إلى أنها أسهمت في نقل عادات وقيم الأجداد، مثل: الكرم والشجاعة والصبر، من جيل إلى آخر، فكانت بمثابة سجل شفهي حي للتراث، موضحاً أن التغرودة ترتبط بالأرض والقبيلة والوطن، لذلك عززت وتعزز الشعور بالفخر والانتماء، خاصة عندما تتناول موضوعات الفخر والولاء وشؤون الوطن، وكذا حين تعكس تفاصيل الحياة القديمة، مثل: الترحال ورعي الإبل والسفر في الصحراء، لتصبح بذا مرآة صادقة لحياة البدو.

واستطرد: «لقد كانت وسيلة للتواصل بين أفراد القافلة وتقوية الروابط الاجتماعية ونشر الحكمة والتجارب بطريقة بسيطة وسهلة.. ولطالما أثّرت في تطور الشعر النبطي والفنون الأدائية التقليدية»، وختم مستشهداً ببيت تغرودة:

راكبٍ فوق المطايا خذ علوم

تراثنا عزٍّ على مرّ السنين