تبرز الفنون الشعبية في الإمارات اليوم، ليس فقط كطقوس مرتبطة بالمناسبات والاحتفالات، بل تشق طريقها إلى الحياة اليومية، وتجد حضوراً متجدداً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتفاعل معها الجيل الجديد، بوصفها تعبيراً عن الذاكرة والهوية، ومكوناً ثقافياً قابلاً للتجدد، لا مجرد ممارسة عابرة.

هوية التراث

وفي هذا السياق، أكد الشاعر الإماراتي الدكتور شهاب غانم، أن الشعوب تحافظ على أغانيها وأمثالها وأكلاتها الشعبية، بوصفها أحد العناصر التي تحفظ هويتها، وأوضح أن بعض هذه الفنون يخص مناطق بعينها.

ولفت إلى انتشار الشعر النبطي والأمثال الشعبية في دول الخليج، وإلى الفرح الجماعي المصاحب لأداء الرقصات والأغاني الشعبية، والتي تشكل أيضاً عنصر جذب سياحي.

وأكد أن دولة الإمارات نجحت في تسجيل عدد من الفنون الشعبية ضمن قائمة التراث غير المادي لمنظمة «اليونسكو»، من بينها فن العيالة المرتبط بالبحر والغوص وصيد السمك، وفن التغرودة، والرزفة المرتبطة بحياة البدو، إضافة إلى العديد من الفنون المرتبطة بالبحر والصحراء والجبال.

وشدد على أهمية الحفاظ على التراث، ونقله للأجيال، في ظل التأثيرات الثقافية الأجنبية المتزايدة.

الفن اليومي

وأكد خبير الفنون التراثية، ناصر حديد الجنيبي، أن الفنون التراثية لم تكن يوماً محصورة بمناسبات معينة، بل رافقت الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، بوصفها ضرورة وظيفية ونفسية وروحية. وأوضح أن المجتمعات لم تفصل بين الفن والعمل، أو بين الجمالي والوظيفي، إذ كان الغناء ملازماً للعمل لتنظيم الجهد وتخفيف المشقة، فيما اندمجت الحرف الفنية في متطلبات العيش اليومي، من مسكن وغذاء وتنقل.

وأشار إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تولي الفنون الشعبية اهتماما كبيراً، وتعمل المؤسسات على نقله للأجيال.

ونوه بأن التجربة الإماراتية أظهرت مستوى عالياً من الرعاية المؤسسية، شمل سياسات تراثية واضحة، وتنظيم مواسم ثقافية، وتفعيل تجارب متحفية حية، قائمة على الأداء الفعلي للفنون الغنائية والبحرية، ودمجها ضمن منظومة العرض الثقافي والتعليمي في مختلف المهرجانات والمحافل الثقافية.

وأشار إلى أن التساؤل الشائع حول انتقال الفنون التراثية، من المناسبات إلى الاستخدام اليومي، هو نتاج سردية حديثة، أكثر منه حقيقة تاريخية، لافتاً إلى أن هذه الفنون جميعها تشكل نظاماً واحداً للحياة.

ولفت الجنيبي إلى أهمية الفنون الشعبية، بوصفها داعماً نفسياً للإنسان، مستشهداً بأهازيج الحصاد، وأغاني المجاديف، وأناشيد صيد اللؤلؤ وصيد السمك، وغناء الرعاة، مؤكداً أن دورها لم يكن ترفيهياً بحتاً، بل أسهمت في تنظيم الإيقاع الحركي، وتخفيف التعب، وبناء التضامن الجماعي.

ولفت إلى ضرورة نقل المعرفة الفنية العميقة الكامنة في هذه الفنون، لا الاكتفاء بعرضها، موضحاً أن الفنون البحرية، على سبيل المثال، ليست مجرد ألحان تؤدى، بل أنظمة إيقاعية نشأت لتنظيم العمل الجماعي، وبناء التضامن بين البحارة، وأن غياب الشرح والتحليل، يحصر التلقي في المشاهدة دون الفهم.

وتابع: «يكمن التحدي الأهم في جذب الجيل إلى الفنون التراثية، بل في إقناعهم بقيمتها المعرفية والفنية، من خلال تقديمها ضمن خطاب تعليمي معاصر، يشرح وظيفتها التاريخية ومنطقها الجمالي».

وشدد على تطوير طرق تقديم الفنون الشعبية، لا تغيير الممارسة ذاتها، وهو المدخل الأهم للاستدامة، مشيراً إلى أن استدامة الفنون التراثية لا تتحقق بحمايتها أو عرضها فقط، بل بتحويلها إلى معرفة حية، تنقل بوعي إلى الأجيال الجديدة، ضمن إطار مؤسسي متكامل، يجمع بين الأصالة والتطوير.