نظّم نادي النقد في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، مساء أول من أمس، جلسة حوارية بعنوان «التشخيص السردي في الرواية الإماراتية»، وذلك في قاعة المقهى الأدبي بالشارقة، بمشاركة الدكتورة بديعة الهاشمي، رئيسة قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الشارقة، وإدارة الدكتورة هدى الشامسي، رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإماراتية في كليات التقنية العليا.

وتناولت الجلسة مفهوم التشخيص في الدراسات النقدية والنقد السردي، بوصفه أحد المفاهيم المتصلة بآليات بناء العالم الروائي وتشكيل الشخصيات وتجسيد حضورها داخل النص الأدبي، إلى جانب استعراض دلالاته الاصطلاحية وأهميته في تحليل الخطاب السردي والكشف عن أبعاده الفنية والجمالية.

وتطرّق النقاش إلى الكيفية التي يتحقق بها التشخيص في العمل السردي، من خلال تفاعل مجموعة من العناصر والتقنيات الفنية، من أبرزها الوصف والحوار والفعل واللغة والمنظور السردي، فضلاً عن العلاقات التي تربط الشخصيات بمحيطها الاجتماعي والنفسي والثقافي، وما تؤديه هذه العناصر من دور في تشكيل ملامح الشخصيات وإبراز خصوصيتها داخل البناء الروائي.

كما تناولت الجلسة الفروق بين مفهومي «التشخيص» و«الشخصية» في الدراسات السردية، حيث تمثل الشخصية أحد المكونات الرئيسة للعمل الروائي، في حين يشير التشخيص إلى الإجراءات والتقنيات الفنية التي تتشكل من خلالها الشخصية وتتحدد ملامحها وأبعادها داخل النص، بما يمنحها حضوراً يتجاوز وظيفتها الحكائية إلى أدوار أكثر عمقاً في إنتاج المعنى وتطور الأحداث.

مستويات

وناقشت الجلسة مستويات التشخيص في السرد، وما تتضمنه من أبعاد جسدية ونفسية واجتماعية وفكرية ورمزية، تسهم مجتمعة في بناء الشخصية الروائية وإبراز طبيعة تكوينها وتحولاتها، إلى جانب أثر الزمان والمكان والسياق الثقافي في تشكيل هويتها وعلاقاتها بالشخصيات الأخرى.

وسلّطت الضوء على أهمية التفاعل بين هذه المستويات في منح النص الروائي مزيداً من العمق والتماسك، وإضفاء الحيوية على الشخصيات، بما يجعلها قادرة على التعبير عن التجارب الإنسانية والتحولات الاجتماعية والثقافية، ويعزز دورها في تشكيل الرؤية الجمالية والفكرية للعمل السردي.

نماذج من الرواية الإماراتية

وفي الجانب التطبيقي، تناولت الجلسة حضور التشخيص السردي في عدد من النماذج الروائية الإماراتية، من خلال الوقوف عند طرائق بناء الشخصيات وتشكيل عوالمها الداخلية والخارجية، والأساليب التي يعتمدها الروائيون في تقديم نماذج إنسانية تتفاعل مع بيئتها المحلية وتحولاتها الاجتماعية والثقافية.

كما امتد النقاش إلى العلاقة بين الشخصية الروائية ومكونات المكان والذاكرة والهوية، ودور هذه العناصر في تشكيل التجربة السردية الإماراتية، والكشف عن تنوع أساليب التعبير الروائي وقدرتها على تمثيل الواقع وتحولاته ضمن رؤى فنية وجمالية متعددة.

وتوقفت الجلسة عند أهمية توظيف المناهج النقدية الحديثة في قراءة الرواية الإماراتية، بما يتيح تجاوز التناول التقليدي للأحداث والشخصيات، والنفاذ إلى البنية الفنية للنص، وتحليل ما تنطوي عليه من دلالات ورموز وتقنيات سردية تسهم في إبراز خصوصية التجربة الإبداعية.

وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة مريم الهاشمي، رئيسة نادي النقد في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، أن النادي يواصل نشاطه من خلال طرح موضوعات نقدية متجددة ومعاصرة، تنسجم مع التحولات التي يشهدها الأدب الإماراتي بمختلف أنواعه وأجناسه، وتسهم في تعزيز الحوار الفكري حول التجارب الإبداعية وقضاياها الفنية والجمالية.

وأوضحت أن عودة النادي إلى درسه النقدي من خلال تناول مصطلح «التشخيص» وحضوره في الرواية الإماراتية تنطلق من أهمية هذا المفهوم في القراءات المعاصرة للأدب، وما يتيحه من مقاربات جديدة لفهم النصوص السردية وتحليل بنيتها الفنية والدلالية، والكشف عن التحولات التي طرأت على أساليب الكتابة الروائية.

وأشارت الهاشمي إلى أن نادي النقد، تحت مظلة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، يرتكز في رؤيته على الاهتمام بالأدب الإماراتي ونقده، والسعي إلى استكشاف التجارب الإبداعية الجديدة، وتطوير أدوات القراءة والتحليل، بما يعزز حضور النقد بوصفه شريكاً فاعلاً في تطور الحركة الأدبية.

وأضافت أن دور النادي لا يقتصر على مواكبة الحراك الأدبي ورصد منجزاته، بل يمتد إلى الإسهام في توجيه الأدباء وتوسيع آفاقهم المعرفية، وتعميق صلتهم بالمصطلحات النقدية الحديثة والقراءات التأويلية والتفكيكية للمادة الأدبية، بما يفتح أمامهم مسارات أرحب للتفكير في النصوص وإعادة اكتشاف إمكاناتها الإبداعية.