تواصل الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة تحقيق نجاحات مهمة، تعزز معها مكانة الدولة في ميادين الموسيقى والثقافة بوجه عام، عاكسة مستويات التطور، التي تحققها في السياق، ويتجلى ذلك بشكل ملهم في مضامين وبرامج موسمها الثاني، الذي يحفل بألوان تطوير متنوعة، تعزز مكانة الموسيقى والفن في الإمارات.



وأكد عضوا الأوركسترا، المغنية الأوبرالية والموسيقية، فاطمة الهاشمي، والفنان أحمد فرج لـ«البيان»، أن الأوركسترا تحتفي بالموسيقى الإماراتية، التي تشتمل على رصيد غني من الألحان والإيقاعات والآلات والأصوات، فتتيح لها مساحة جديدة كي تتطور وتُسمع بطرق مختلفة.



وتقول فاطمة الهاشمي حول اختيار شعار برنامج موسم الأوركسترا الثاني: «إلى هذه الأرض ننتمي»: «أردنا أن يبدأ الموسم الثاني من نقطة جوهرية تهمنا جداً جميعاً، وهي علاقتنا بهذه الأرض وما تمثله لنا، ومن هنا جاء هذا الشعار ليس بوصفه عنواناً للحفل الافتتاحي من الموسم فقط، بل فكرة تجمع الأعمال التي نقدمها في هذه الأمسية. الحفل يروي هذه العلاقة من خلال الموسيقى؛ ويعود إلى الموروث الموسيقي الإماراتي، ويعبّر عن مشاعر الفخر والارتباط بالوطن».



وتابعت: «الأهم بالنسبة لنا أن هذه الحكايات لا تُروى من خلال أعمال نعرفها ونستعيدها، وإنما من خلال موسيقى جديدة كُتبت اليوم بأصوات مبدعين إماراتيين بتكليف خاص من الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا يعكس أحد طموحاتنا الأساسية في الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة: أن نحافظ على ما نحمله من إرث موسيقي، وفي الوقت نفسه نفتح المجال أمام أعمال جديدة، تنطلق منه، وتضيف إليه».



وعن سبب وقوع الاختيار على خالد ناصر وعلي كانو وفايز السعيد، تحديداً في هذا الحفل، قالت فاطمة: «كان مهماً بالنسبة لنا منذ البداية ألا نبحث عن صوت واحد يمثل الموسيقى الإماراتية، لأن ثراء هذه الموسيقى يكمن تحديداً في تعدد أصوات مبدعيها وتجاربهم، إذ يأخذنا خالد ناصر في عمل «رحلة التأسيس» يعكس إرث دولة الإمارات، وما تحمله من محطات وقيم راسخة في وجدان المجتمع الإماراتي، أما علي كانو فينطلق في «نغم الوطن» من الموروث الموسيقي المحلي، ويضع الآلات التقليدية في حوار مباشر مع الأوركسترا. ويأتي فايز السعيد في «رعد وبرق وحنين» بتجربة مختلفة، تجمع الأوركسترا والكورال والقصيدة الشعرية للشاعر عارف الخاجة».



واستطردت: «منذ مرحلة التخطيط لم نتعامل مع الأعمال الثلاثة باعتبارها ثلاث مقطوعات حول موضوع واحد، بل بوصفها ثلاث رؤى فنية مستقلة. لكل مؤلف فكرته ومساحته وأسلوبه، وهذا كان أساس التكليف منذ البداية، لذلك نجد أن عمل خالد ناصر ينطلق من المسيرة التي شكلت جانباً أساسياً من تاريخ الدولة، بينما يبحث «نغم الوطن» في الموروث الموسيقي نفسه وكيف يمكن تقديمه في قالب أوركسترالي جديد، في حين يحمل «رعد وبرق وحنين» بعداً مختلفاً،من خلال الجمع بين الموسيقى والغناء والشعر. وعندما تُقدّم الأعمال تباعاً نريد للجمهور أن يشعر بأنه أمام ثلاث تجارب لها شخصياتها المستقلة، لكنها تلتقي في النهاية، لتقدم صورة أوسع عن علاقتنا بالإمارات: بتاريخها وموروثها وذاكرتها وما نشعر به تجاهها اليوم».



وعن أهمية القالب الاوركسترالي، الذي يقدمون به الأغنية الوطنية، قالت فاطمة الهاشمي: «للموسيقى الإماراتية رصيد غني من الألحان والإيقاعات والآلات والأصوات، وما نفعله في الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة ليس تغيير هذه الموسيقى لتناسب القالب الأوركسترالي، وإنما إتاحة مساحة جديدة لها كي تتطور وتُسمع بطرق مختلفة. عندما تدخل آلة إماراتية تقليدية في حوار مع الأوركسترا، أو تتحول فكرة مستمدة من موروثنا الموسيقي إلى عمل أوركسترالي متكامل، فإننا نفتح أمام المؤلف إمكانات أوسع، ونمنح الجمهور أيضاً طريقة مختلفة للاستماع إلى عناصر موسيقية قد يعرفها من سياقات أخرى، وهذا مهم لنا على المدى البعيد. نريد أن تُكتب أعمال إماراتية جديدة تمتلك حياة تتجاوز المناسبة التي قُدّمت فيها للمرة الأولى: أعمال يمكن أن تعود إلى المسرح، وأن يسمعها جمهور جديد، وأن تصبح مع الوقت جزءاً من رصيد موسيقي إماراتي معاصر».



قيمة وعلاقة



بدوره أكد أحمد فرج، الذي يقود ثلاث مقطوعات لم يسبق لأحد أن سمعها على المسرح، وهو عمل موسيقي لا توجد له تسجيلات سابقة أو قراءات جاهزة تستند إليها، أن هذا أحد أكثر الجوانب إثارة في العمل على مؤلفات جديدة، مضيفاً: «عندما أقود عملاً معروفاً تكون أمامي سنوات من التسجيلات والتفسيرات والتجارب السابقة، أما هنا فالبداية هي النوتة الموسيقية نفسها، وما أراد المؤلف أن يقوله من خلالها. دوري أولاً أن أقرأ العمل بعمق، أفهم بناءه، وحركته، والعلاقة بين أجزائه، ثم أعمل مباشرة مع المؤلف للوصول إلى الصورة التي يتخيلها، وبعد ذلك تبدأ مهمتنا مع الموسيقيين في تحويل هذه الأفكار إلى صوت حي. وهناك مسؤولية خاصة في هذه التجربة، لأن الأداء الأول يصبح أول لقاء بين العمل والجمهور. نحن لا نعيد تقديم قراءة موجودة، بل نصنع القراءة الأولى لهذه الموسيقى على المسرح».



وعن كيفية تحول العمل الموسيقي من صفحات مكتوبة إلى عمل يحمل إحساس المؤلف وحكاية الوطن، قال فرج: «النوتة تمنحنا كل المعلومات الموسيقية، لكنها لا تمنحنا وحدها التجربة التي سيسمعها الجمهور. هذه تتشكل تدريجياً في البروفات. نبدأ بالتفاصيل الدقيقة: الإيقاع، والتوازن بين الأقسام، والجمل الموسيقية، ودخول كل آلة، ثم ننتقل إلى الصورة الأكبر: أين يتغير إحساس العمل؟ أين يحتاج إلى قوة؟ وأين يجب أن نترك للموسيقى مساحة أكبر وهدوءاً؟ وفي الأعمال الجديدة تحديداً، وجود المؤلف جزء مهم من هذه العملية. أحياناً نجرّب أكثر من قراءة للمقطع نفسه حتى نصل إلى التعبير الأقرب إلى فكرته.

ومع كل بروفة يبدأ الموسيقيون في تجاوز قراءة النوتة إلى فهم شخصية العمل نفسه، إلى أن نصل إلى اللحظة التي يصبح فيها الأداء طبيعياً ومتماسكاً، ويحمل المعنى الذي كُتب من أجله».

وعن التحدي في الأمسية خصوصاً كونها تجمع الأوركسترا والكورال والآلات الشرقية في برنامج واحد قال فرج: «التحدي ليس في جمع أكبر عدد من الأصوات على المسرح، بل في معرفة متى يجب أن يتقدم كل صوت، ومتى يفسح المجال للآخر. لدينا أوركسترا كاملة، وكورال، وآلات شرقية وتقليدية لها طبيعتها وألوانها الخاصة. وإذا تعاملنا معها جميعاً بالوزن نفسه طوال الوقت نفقد الكثير من جمال هذا التنوع، لذلك نعمل في البروفات بدقة على التوازن: متى تكون الآلة التقليدية في الواجهة، وكيف تستجيب لها الأوركسترا، ومتى يحمل الكورال الفكرة، ومتى تجتمع كل هذه العناصر في لحظة واحدة، والهدف بالنسبة لي ألا يشعر المستمع بأننا جمعنا عوالم موسيقية مختلفة جنباً إلى جنب، بل أن يسمع عملاً واحداً، تتكامل داخله هذه الأصوات، مع احتفاظ كل منها بشخصيته».



واختتم حديثه: «لا أعتقد أن هناك عنصراً واحداً نستطيع أن نقول إنه وحده يجعل العمل إماراتياً. أحياناً نسمع ذلك بوضوح في إيقاع أو آلة أو جملة موسيقية مألوفة، وأحياناً يكون الأمر أعمق من ذلك: في طريقة بناء المؤلف للعمل وفي الذاكرة الموسيقية، التي ينطلق منها. وما يميز هذه الأعمال أنها لا تحاول وضع عناصر من التراث داخل قالب أوركسترالي بصورة مصطنعة، بل إن المؤلفين أنفسهم ينطلقون من بيئتهم وتجاربهم الموسيقية، ثم يكتب كل منهم بلغته الخاصة، وقد يتعرف المستمع الإماراتي إلى إيقاع أو لون صوتي مألوف لديه، لكنه سيسمعه في سياق جديد تماماً، وهذه بالنسبة لي هي القيمة الحقيقية: أن تحمل الموسيقى شيئاً نعرفه، ونشعر بالقرب منه، وفي الوقت نفسه تأخذ هذا الصوت إلى مساحة لم نسمعه فيها من قبل».