يشكل التراث الإماراتي ذاكرة حية تختزن تفاصيل المجتمع وقيمه وعاداته وتحولاته وحكاياته التي انتقلت من جيل إلى آخر، ولم تعد حمايته ترتبط فقط بجمع المقتنيات القديمة أو تسجيل الأحداث الكبرى، بل أصبحت مسؤولية تتطلب حفظ الروايات الشفوية والتجارب الإنسانية والتفاصيل اليومية، قبل أن تضيع برحيل أصحابها.

ومن بين مسارات البحث والتدريب والعمل المجتمعي والرواية الشفوية، تبرز تجارب أربع إماراتيات، هن فاطمة أحمد الجابري وصوغة سعيد الكتبي ومريم سيف الزرعوني وآمنة سعيد الظهوري، حيث تلتقي عند هدف واحد، يتمثل في حماية الموروث الإماراتي ونقله إلى الأجيال الجديدة بأساليب تجمع بين المعرفة التقليدية وأدوات العصر.

«البيان» تضيء على هذه التجارب وآفاقها، خاصة أنها تؤكد حقيقية كون التراث ليس صورة جامدة للماضي، بل منظومة متكاملة من القيم والسلوكيات والمعارف والحكايات والعادات والممارسات التي لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وأن التطور الذي تعيشه دولة الإمارات، لا يتعارض مع المحافظة على الجذور، بل يزيد الحاجة إلى تعريف الأجيال بتاريخها وهويتها.

الدقة

قالت الباحثة فاطمة أحمد الجابري، إن توثيق الموروث يحتاج إلى عمل بحثي دقيق، يقوم على المقارنة والتحقق وعدم الاكتفاء بمصدر واحد، خصوصاً أن كثيراً من الممارسات والعادات والمعلومات التراثية انتقلت شفهياً بين الأجيال.

وأوضحت أن البحث الميداني يمثل أحد أهم المسارات في عملية حفظ التراث، لأنه يتيح الوصول إلى أصحاب التجربة والاستماع إليهم مباشرة، وتسجيل ما يحملونه من تفاصيل لا توجد دائماً في الكتب أو السجلات الرسمية.

وأضافت أن كبار السن يمثلون مصدراً مهماً للمعرفة، لأنهم عاشوا مراحل مختلفة من تاريخ المجتمع الإماراتي، ويحملون في ذاكرتهم تفاصيل تتعلق بالحياة اليومية والعادات والمهن والمناسبات والعلاقات الاجتماعية.

وأكدت أن مهمة الباحث لا تتوقف عند الاستماع إلى الرواية، بل تمتد إلى فهم السياق الذي جاءت فيه، ومقارنتها بالمعلومات الأخرى، والتحقق من دقتها قبل تقديمها إلى الجمهور.

ورأت أن التوثيق مسؤولية تتطلب الأمانة، لأن أي معلومة غير دقيقة قد تنتقل من شخص إلى آخر، وتتحول مع الوقت إلى رواية يصعب تصحيحها.

وأشارت إلى أن التكنولوجيا الحديثة منحت الباحثين أدوات جديدة تساعدهم على حفظ المقابلات بالصوت والصورة، وأرشفة الوثائق رقمياً، وتصنيف المواد والوصول إليها بسهولة، إلى جانب نشر المحتوى التراثي عبر المنصات الرقمية، والوصول إلى جمهور أوسع.

تقديم الموروث بلغة العصر

وقالت الباحثة صوغه سعيد الكتبي، إن حضور الشباب في مجال البحث التراثي، أصبح ضرورياً في المرحلة الحالية، لأنهم يمتلكون أدوات رقمية يمكن أن تسهم في نقل التراث إلى أقرانهم بأساليب أكثر قرباً من اهتماماتهم.

وأوضحت أن الباحث الشاب لا ينبغي أن يكتفي بنقل المعلومة، بل يحتاج إلى فهم الظروف الاجتماعية والبيئية التي نشأت فيها العادات والممارسات، حتى يقدمها في سياقها الصحيح.

وأضافت أن بعض التفاصيل التراثية قد تبدو صغيرة، عند النظر إليها بصورة منفصلة، لكنها حين تجمع وتربط ببعضها ترسم صورة متكاملة عن طبيعة المجتمع وطريقة حياة أفراده.

وأكدت أن الجمع بين المعرفة التراثية والأدوات الحديثة يفتح مجالاً واسعاً لإنتاج الأفلام القصيرة، والمقاطع التوثيقية والبودكاست والمحتوى البصري، الذي يجعل الموروث أكثر قرباً من الجمهور.

وقالت إن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في حفظ التراث داخل الأرشيف، بل في تحويله إلى معرفة تصل إلى الناس، وتبقى حاضرة في حياتهم اليومية.

وأشارت صوغة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون وسيلة فعالة لنشر الثقافة التراثية والوصول إلى الشباب، لكنها تحتاج إلى الاستخدام المسؤول، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، حتى لا تصبح سرعة التداول سبباً في انتشار معلومات غير دقيقة.

الدعامة الأولى لحماية الهوية

وقالت مريم سيف الزرعوني (أم راشد)، عضو جمعية شمل للفنون والتراث الشعبي والمسرح ومدربة الأجيال، إن الأسرة تمثل المدرسة الأولى في نقل التراث، لأن الطفل يتعرف داخل بيته إلى قيم احترام الكبير، وإكرام الضيف، والاعتزاز باللباس الوطني، والمحافظة على العادات والسنع الإماراتي.

وأكدت أن هذه القيم لا يمكن غرسها بالمحاضرات وحدها، بل تحتاج إلى ممارسة يومية، تجعل الطفل يعيشها ويفهم معناها، ويتعامل معها بوصفها جزءاً من شخصيته.

وأوضحت الزرعوني أن تجربتها بدأت من داخل الأسرة، ثم امتدت إلى المدارس والمجتمع والمشاركات المختلفة، وهو ما عزز قناعتها بأن أفضل وسيلة لتعريف الأبناء بالموروث، هي إشراكهم في التجربة، وعدم الاكتفاء بسرد المعلومات لهم.

وذكرت أن الطفل حين يشارك في ممارسة تراثية أو يتعلم حرفة أو يستمع إلى قصة من كبار السن، يصبح أكثر قدرة على فهم معنى التراث والارتباط به.

وأكدت أن اختلاف الأجيال أمر طبيعي، وأن لكل جيل أدواته وطريقة تفكيره، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يؤدي إلى فقدان القيم التي تحفظ هوية المجتمع.

وأضافت أن الإمارات انتقلت خلال عقود قليلة من حياة ارتبطت بالصحراء والبحر والبيئة المحلية، إلى دولة تقود مشاريع متقدمة في الفضاء والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

ورأت الزرعوني أن هذا التطور لا يتعارض مع التمسك بالتراث، بل يجعل معرفة الجذور أكثر أهمية، لأن التقدم الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية. وأكدت أن الإنجاز الحقيقي للعاملين في مجال التراث، لا يقاس بعدد المشاركات، بل بالأثر الذي يتركونه في الأطفال والشباب، وبقدرتهم على تحويل القيم والممارسات التراثية إلى سلوك يومي.

إنقاذ قبل فوات الأوان

رأت آمنة سعيد الظهوري، (أم سيف)، أن الوقت يمثل عاملاً أساسياً في عملية التوثيق، لأن كثيراً من كبار السن يحملون في ذاكرتهم تفاصيل مهمة عن المجتمع، وقد تضيع هذه التفاصيل إذا لم تسجل وتحفظ.

وأضافت أن كبار السن يمثلون مكتبات بشرية تحتفظ بالحكايات والأمثال والأهازيج وأساليب العمل والحرف والممارسات الاجتماعية التي رافقت الحياة في مراحل مختلفة.

وأوضحت أن بعض المعلومات لا توجد في الوثائق المكتوبة، لأنها انتقلت عبر التجربة المباشرة والذاكرة الشفوية، ولذلك، فإن رحيل صاحب الرواية من دون تسجيل ما يحمله، قد يؤدي إلى فقدان جزء من الذاكرة المجتمعية.

وأكدت الظهوري أهمية تسجيل شهادات كبار السن بالصوت والصورة، وتحويلها إلى مواد يمكن للأبناء والأحفاد والباحثين الرجوع إليها في المستقبل.

وقالت، إن التوثيق لا ينبغي أن يقتصر على الشخصيات المعروفة أو الأحداث الكبرى، بل يجب أن يشمل حياة الإنسان العادي، وتفاصيله اليومية، لأن التاريخ الاجتماعي يتكون في جانب كبير منه من تجارب الناس.

وأضافت أن الحياة القديمة في الإمارات حملت صوراً كثيرة من التعاون والتكافل والصبر وتحمل المسؤولية، وهي قيم يمكن للأجيال الجديدة الاستفادة منها، حتى مع اختلاف طبيعة الحياة. وبينت أن الاستماع إلى قصص الأجداد يساعد الشباب على فهم حجم التحولات التي شهدها المجتمع، ويجعلهم أكثر تقديراً لما تحقق من تطور وإنجازات.

من الرواية الشفوية إلى المحتوى الرقمي

تتفق فاطمة أحمد الجابري وصوغة سعيد الكتبي ومريم سيف الزرعوني وآمنة سعيد الظهوري، على أن أدوات العصر يمكن أن تصبح شريكاً رئيساً في حماية التراث، إذا استخدمت بطريقة مدروسة.

وترى الجابري أن تسجيل المقابلات بالصوت والصورة، يحفظ كثيراً من التفاصيل التي قد لا تظهر في النص المكتوب، مثل طريقة النطق واللهجة ونبرة الصوت وأسلوب الراوي في سرد القصة، فيما تؤكد الكتبي أن تحويل المادة التراثية إلى محتوى رقمي مختصر، يمكن أن يكون مدخلاً لجذب الجمهور وتشجيعه على البحث ومعرفة المزيد إذا بقيت المعلومة الأصلية موثقة ومحفوظة، وتشير الزرعوني إلى أن الأطفال والشباب يتفاعلون بصورة أكبر مع المحتوى المرئي والتجارب العملية، وهو ما يجعل تطوير طريقة تقديم التراث أمراً ضرورياً للوصول إلى الأجيال الجديدة.

فيما تؤكد الظهوري أن الأولوية تبقى لتسجيل المادة كاملة، وحفظها قبل إعادة إنتاجها في أشكال مختصرة، حتى لا تضيع التفاصيل الأصلية مع عملية الاختصار.

الإنسان يبقى المرجع

توضح التجارب الأربع أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم دعماً مهماً لعمليات التوثيق، من خلال تنظيم الأرشيفات، وتصنيف المواد، وتحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص، وتحسين جودة بعض المواد القديمة، وتسهيل البحث داخل كميات كبيرة من المعلومات.

لكن فاطمة أحمد الجابري تؤكد أن المعلومة التراثية تحتاج دائماً إلى المراجعة البشرية، لأن الخطأ إذا نشر رقمياً، يمكن أن ينتقل بسرعة، ويترسخ مع مرور الوقت.

وترى صوغة سعيد الكتبي أن الذكاء الاصطناعي يستطيع توفير الوقت، ومساعدة الباحث في الوصول إلى المعلومات، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الخبرة الإنسانية، أو الفهم العميق للسياق واللهجات والعادات المحلية.

وتتفق المشاركات على أن التقنية يجب أن تبقى أداة تساعد الإنسان في حماية الذاكرة، ولا تتحول إلى مصدر نهائي للمعلومة، من دون تحقق ومراجعة.

التفاصيل اليومية تصنع ذاكرة المجتمع

تؤكد آمنة سعيد الظهوري، أن حفظ التراث لا يعني التركيز فقط على الأحداث الكبرى أو المقتنيات النادرة، لأن تفاصيل الحياة اليومية تحمل قيمة مهمة في فهم المجتمع.

وتعتقد أن طريقة استقبال الضيف وإعداد الطعام وتعاون الجيران في المناسبات وتقاسم الأدوار داخل الأسرة، كلها ممارسات تكشف طبيعة العلاقات والقيم التي ميزت المجتمع.

وتؤكد مريم سيف الزرعوني أن تعليم الطفل السنع والقيم والسلوكيات المرتبطة بالتراث، أكثر أهمية من أن يحفظ أسماء الأشياء القديمة فقط، لأن استمرار روح الموروث هو الهدف الأساسي.

وترى فاطمة أحمد الجابري أن جمع التفاصيل الصغيرة وربطها ببعضها، يساعد الباحث في بناء صورة أكثر دقة عن المجتمع خلال مراحل زمنية مختلفة، فيما تؤكد صوغة سعيد الكتبي أن الاهتمام بالحياة الاجتماعية والإنسانية، يجعل المادة التراثية أكثر قرباً من الجمهور، ويمنحها بعداً يتجاوز مجرد عرض الأشياء القديمة.

المسؤولية تبدأ من الأسرة

تشدد المشاركات في الاستطلاع على أن حماية التراث مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والإعلام والباحثين والمؤسسات الثقافية والمجتمع.

وتقول مريم سيف الزرعوني، إن الأسرة قادرة على أداء دور كبير، من خلال تشجيع الأبناء على الاستماع إلى كبار السن، ومعرفة القصص المرتبطة بالعائلة والعادات التي يمارسونها.

وتدعو آمنة سعيد الظهوري إلى حفظ الصور والوثائق العائلية القديمة، وتنظيمها، وتسجيل أسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ المرتبطة بها، حتى لا تتحول مع مرور الوقت إلى صور مجهولة بلا قصة.

وتؤكد فاطمة أحمد الجابري أن التوثيق المنظم، يسهل على الأجيال المقبلة الوصول إلى المعلومات، بينما يؤدي الإهمال إلى خسارة أجزاء مهمة من الذاكرة.

وترى صوغة سعيد الكتبي، أن الإعلام يمتلك دوراً رئيساً في تقديم التراث بعيداً عن الحضور الموسمي المرتبط بالمناسبات، من خلال صناعة محتوى قصصي وإنساني، قادر على إبقاء الموروث حاضراً طوال العام.

رسالة واحدة

تلتقي تجارب فاطمة أحمد الجابري وصوغة سعيد الكتبي ومريم سيف الزرعوني وآمنة سعيد الظهوري، عند رسالة واضحة، مفادها أن التراث لا يبقى حياً بمجرد الاحتفاظ به، بل باستمرار روايته وممارسته، وتوثيقه ونقله من جيل إلى جيل.

وتؤكد الجابري أن معرفة الإنسان بتاريخ مجتمعه، تمنحه فهماً أعمق لهويته. وتبين الكتبي أن الانفتاح على الثقافات الأخرى، يصبح أكثر ثراء عندما يمتلك الفرد معرفة واضحة بثقافته وجذوره.

وتؤكد الزرعوني أن الأجيال الجديدة تستطيع أن تعيش عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتحافظ في الوقت نفسه على قيمها وعاداتها، فيما تشدد الظهوري على أن صوت كبار السن يجب ألا يبقى محصوراً في الذاكرة، بل يجب أن يتحول إلى سجل دائم يصل إلى الأبناء والأحفاد.

وبين البحث الميداني والتدريب والرواية الشفوية والتوثيق الرقمي، تتكامل التجارب الأربع، لتؤكد أن حماية الموروث الإماراتي مسؤولية، تبدأ من الإنسان وتكبر مع الأسرة والمجتمع، فحين تجد حكايات الأجداد من يصغي إليها ويحفظها ويفهم معناها، ويعيد تقديمها بلغة العصر، لا يبقى التراث أسيراً للماضي، بل يتحول إلى ذاكرة حية، تتحرك مع المجتمع، وتصل الماضي بالمستقبل.. وحين تتحدث ذاكرة الأجداد، يصغي المستقبل.