رغم تمدد الرواية في المشهد الأدبي العربي والعالمي، واحتلالها مساحة واسعة من اهتمامات القراء والناشرين، تواصل القصة القصيرة حضورها بوصفها فناً شديد الكثافة والقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية. غير أن هذا الحضور لم يعد بالضرورة يسير وفق القوالب التقليدية، إذ باتت القصة تبحث عن أشكال جديدة للوصول إلى القارئ، مستفيدة من التحولات التي طرأت على عادات القراءة ووسائط النشر. فهل تغيرت القصة القصيرة ذاتها، أم أن الذي تغير هو الطريق الذي تسلكه نحو المتلقي؟

وفي الإمارات، يبدو المشهد القصصي مثالاً لافتاً على استمرار هذا الفن وقدرته على تجديد حضوره؛ إذ تواصل جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، التي أطلقها اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، دعم الكتابة القصصية والاحتفاء بالأصوات الجديدة.

وفي دورتها السابعة عشرة لعام 2026، اتسعت الجائزة لتشمل فئتي القصة القصيرة والمجموعة القصصية، في مؤشر على استمرار الاهتمام بهذا الفن وتعدد أشكاله. كما شهدت الدورة مشاركة لافتة من المواهب والأقلام الواعدة، بما يؤكد أن الحديث عن تراجع القصة القصيرة لا يعني بالضرورة غيابها، بقدر ما يطرح سؤالاً حول تحولات هذا الفن ووسائط حضوره.

كيف تغير المشهد؟

يؤكد الكاتب والروائي صبحي موسى لـ«البيان» أن الإمارات ترسم خريطة تطور القصة القصيرة، وتعزز حضورها للوصول إلى القراء.

ويضيف: «إن القصة القصيرة كانت حاضرة حتى منتصف التسعينيات، وكان لها كتابها المعروفون، بل لم يكن في مقدور كاتب أن يدخل إلى عالم الرواية دون أن يكون كاتب قصة بالأساس، وكانت الرواية تأتي بعد اكتمال المهارات، أو بوصفها عملاً إضافياً، لكن مع مجيء الألفية الجديدة، بحسب موسى، حدث تحول كبير، إذ ظهرت جوائز خاصة بالرواية، في مقدمتها جائزة نجيب محفوظ في الجامعة الأمريكية، وجائزة الرواية العربية عن المجلس الأعلى للثقافة، وجائزة ساويرس قبل أن تظهر جائزة البوكر، ثم كتارا وغيرها».

ويشير إلى أن معطيات عدة دفعت كثيراً من كتاب إلى التحول نحو كتابة الرواية، أو جعلها الفن الأول لديهم، وكان الكاتب سعيد الكفراوي من أبرز من حافظوا على انحيازهم إلى القصة القصيرة، ولم يفكر في كتابة الرواية.

ويتابع: «إن الكتاب الجدد في بداية الألفية مزجوا بين الرواية والقصة في جملة واحدة أو فكرة واحدة، هي قصة الشخص أو المكان أو الحدث، وليس رواية التحولات الكبرى في المجتمع. وبات الجميع يبحث عن موطئ قدم لنفسه عبر تجاوز بعض تقاليد وأعراف الرواية القديمة، فامتدت القصة القصيرة في عدد أكبر من الصفحات تحت مسمى الرواية. يمكننا القول إن القصة القصيرة لم تمت، ولكنها غيرت جلدها لتتناسب مع إيقاع الزمن، لكن حضور هذه الأشكال ظل ضعيفاً وخافتاً، ويمكن القول إنه بقي حاضراً لدى كتاب الأقاليم، خارج سطوة المركز وطلباته وشروط الانتشار».

ويردف: «ومع عودة الاهتمام الإعلامي بالقصة القصيرة، صار الحديث يتجدد عن إحياء هذا الفن واستعادة حضوره» مشيراً إلى أن ثمة بُعداً أو متغيراً آخر طرأ على مستوى التواصل، بوصفه وسيطاً بين الكتاب والقراء، وهو ثورة الاتصالات وانتشار أدوات التواصل الاجتماعي التي سمحت بسرعة وسهولة نشر الإبداع، والقدرة على التفاعل السريع معه.

ويؤكد أن هذا التحول جعل القصة القصيرة شكلاً أكثر ملاءمة للتعامل مع الوسائط الجديدة، فتوجه جانب من الكتاب إلى كتابتها، خصوصاً أجيال الشباب الذين بدؤوا النشر في الألفية الجديدة، ما أسهم في صعود نجم القصة القصيرة من جديد.

ويختتم: «هكذا، لا تبدو القصة القصيرة في مواجهة الرواية بوصفها معركة تنتهي بانتصار فن على آخر، بقدر ما تكشف التجربة عن قدرة الأدب على إعادة تشكيل نفسه وفق تحولات المجتمع ووسائط التواصل. وبينما تواصل الرواية حضورها الواسع، تحتفظ القصة القصيرة بقدرتها على اختزال التجربة الإنسانية والتقاط لحظاتها المكثفة، مستفيدة من الجوائز والمبادرات الثقافية ووسائط النشر الحديثة».