يشكل المسرح الإماراتي مساحة بحثية لافتة في مسيرة الأكاديمي البولندي الدكتور "سباستيان جادومسكي"، الباحث في الأدب العربي بجامعة "ياغيلونيان في كراكوف"، إذ قادته دراساته إلى تتبع تاريخ الحركة المسرحية في دولة الإمارات، وقراءة نصوصها وكتّابها وتحولاتها، وصولاً إلى نقل جانب منها إلى القارئ البولندي.
كتاب المسرح والدراما في الامارات
وتوّج "جادومسكي" هذا الاهتمام بكتاب "المسرح والدراما في دولة الإمارات العربية المتحدة"، الصادر باللغة البولندية عن دار نشر جامعة "ياغيلونيان" في كراكوف عام 2011م، ويقع الكتاب في 173 صفحة، ويتناول مسارين متداخلين: تاريخ تطور الحركة المسرحية الإماراتية بين عامي 1955 و2006، والدراسة النقدية والأدبية لنماذج من الدراما الإماراتية المعاصرة، في محاولة لتصنيف تياراتها وقراءة علاقتها بالفرد والمجتمع.
تجارب مسرحية مبكرة
ويعود "جادومسكي" في تتبعه التاريخي إلى البدايات الأولى للمسرح الإماراتي في خمسينيات القرن العشرين، حين ارتبط النشاط المسرحي بالمدارس والأندية الثقافية في الشارقة، ومن التجارب المبكرة مسرحية "جابر عثرات الكرام" عام 1955م، ثم "طول عمرك واشبع طماشة" عام 1958م في النادي العماني بالشارقة، وهي من تأليف وإخراج جماعي.. وفي أواخر الخمسينيات كتب الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مسرحية "نهاية صهيون"، التي عُرفت أيضاً باسم "وكلاء صهيون"، في مرحلة مبكرة من تشكل المسرح ذي البعد القومي والسياسي في الإمارات.
أيام الشارقة المسرحية
ومن تلك البدايات، يتابع الباحث انتقال المسرح إلى مرحلة الفِرق والمؤسسات والمهرجانات، وما رافق ذلك من تفاعل مع خبرات مسرحية عربية وفدت إلى الدولة، خصوصاً منذ السبعينيات والثمانينيات، وأسهمت في تطوير أدوات التمثيل والإخراج والتكوين المسرحي. وتحضر الشارقة في هذا المسار مركزاً أساسياً للحركة المسرحية، بما وفرته من مهرجانات ومؤسسات ومساحات للتجريب، وفي مقدمتها أيام الشارقة المسرحية.
ويمتد اهتمام "جادومسكي" إلى النص المسرحي وكتّابه، فتتناول دراساته أسماء أسهمت في تشكيل ملامح الدراما الإماراتية، وفي مقدمتها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وإسماعيل عبد الله، وأحمد بورحيمة، وصالح كرامة العامري، إلى جانب المسرحيين العرب المقيمين في الدولة وإسهاماتهم في تطور التجربة المحلية. وتكشف هذه القراءة عن مسرح انشغل بالهوية والموروث والتحولات الاجتماعية، واستفاد في الوقت نفسه من المدارس والتجارب المسرحية العربية الحديثة..
اما المؤلفون المسرحيون الاماراتيون الذين درس نصوصهم في بحثه، وبشكل خاص، مثل جمال مطر، باسمة يونس، عمر غباش، ناجي الحاي، سالم الحتاوي وحبيب غلوم العطار.
الترجمة البولندية
كما امتد هذا الاهتمام من البحث إلى الترجمة؛ ففي عام 2020م شارك "جادومسكي" مع ثلاثة أكاديميين بولنديين في ترجمة أربع مسرحيات للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إلى البولندية: "داعش والغبراء"، و"نمرود"، و"شمشون الجبار"، و"عودة هولاكو"، وما يعادل 11 نصاً مسرحياً للشيخ سلطان القاسمي، كما ترجموا إلى البولندية 11 نصاً مسرحياً، بالإضافة إلى ترجمته مسرحية "يا ليل واطولك" لمحمد سعيد الضنحاني في طريقها للنشر.. كما شارك في إعداد مقدمة للأنطولوجيا تتناول بدايات المسرح الإماراتي وتطوره.
سيرة جادومسكي وتاريخ المسرح
اهتمام الباحث البولندي بالمسرح يتجاوز الإمارات إلى تاريخ المسرح العربي وأسئلته؛ فقد درس حضور شكسبير في المسرح العربي، وكتب عن مسرح الظل عند ابن دانيال الموصلي، وبحث في المونودراما العربية المعاصرة، كما تناول بدايات المسرح العربي في مصر.. وهكذا تبدو تجربة "جادومسكي" مساراً لانتقال المسرح الإماراتي من الخشبة المحلية إلى الدرس الأكاديمي الأوروبي؛ نصوص تُقرأ في كراكوف، وتاريخ يُدرس باللغة البولندية، ومسرح يجد عبر البحث والترجمة قراءً جدداً خارج لغته وبيئته الأولى.