لطالما أثارت الأهرامات المصرية دهشة العلماء والباحثين، فهذه المعالم العملاقة التي شُيدت قبل أكثر من 4500 عام ما زالت تطرح أسئلة حول الطريقة التي تمكن بها المصريون القدماء من نقل ملايين الكتل الحجرية وتركيبها بدقة مذهلة، في عصر لم تكن فيه الشاحنات الحديثة أو الرافعات الميكانيكية موجودة.

لكن اكتشافا أثريا جديدا بالقرب من الهرم الأحمر في دهشور يقدم دليلًا جديدًا على أن الماء ربما كان أحد الأسرار الرئيسية وراء نجاح المصريين القدماء في تنفيذ مشاريعهم الهندسية الضخمة. وتشير الدراسة إلى أن الهياكل الخطية الموجودة قرب الهرم ربما لم تكن مجرد منحدرات لنقل الحجارة، كما كان يُعتقد سابقًا، بل كانت جزءًا من نظام متطور لإدارة المياه.

ويأتي هذا الاكتشاف من منطقة الهرم الأحمر، وهو أكبر هرم في جبانة دهشور الواقعة على الضفة الغربية لوادي النيل بالقرب من القاهرة. ويُعرف هذا الهرم بلونه المائل إلى الأحمر بسبب أكسيد الحديد الموجود في كتل الحجر الجيري المستخدمة في بنائه، ويُعد من أقدم الأهرامات ذات الجوانب الملساء التي بناها المصريون القدماء.

شُيد الهرم الأحمر خلال الأسرة الرابعة في عهد الفرعون سنفرو، الذي حكم تقريبًا بين عامي 2590 و2575 قبل الميلاد، ويصل ارتفاعه إلى نحو 105 أمتار، ليصبح واحدًا من أكبر الأهرامات في مصر القديمة، ومرحلة مهمة في تطور فن بناء الأهرامات.

منذ القرن التاسع عشر، عثر علماء الآثار على هيكلين طويلين يقعان جنوب غرب الهرم الأحمر. وكانت التفسيرات الأولى تشير إلى أنهما ربما كانا منحدرين أو جسورًا استخدمت لنقل مواد البناء من المحاجر القريبة إلى موقع تشييد الهرم.

لكن دراسات حديثة نشرت في مجلة "npj Heritage Science" أعادت النظر في هذه الفرضية، بعد أن كشفت أن المشهد الطبيعي لوادي النيل تغير بشكل كبير منذ عصر بناء الأهرامات. كما أظهرت أبحاث سابقة أن عددًا كبيرًا من الأهرامات المصرية، الممتدة بين الجيزة واللشت، ربما كانت تقع قديمًا بالقرب من فروع مائية اختفت مع مرور الزمن.

وانطلاقًا من هذه الفكرة، حاول فريق بحثي من معهد البوليتكنيك في باريس معرفة الدور الحقيقي لهذه الهياكل الغامضة قرب الهرم الأحمر، مستخدمين صور الأقمار الصناعية وخرائط تضاريس المنطقة وتحليل طبيعة تدفق المياه.

نظام للتحكم بالمياه

توصل الباحثون إلى أن الهيكلين المكتشفين قد لا يكونان منحدرات لنقل الحجارة، بل ربما كانا سدودًا مصممة للتحكم في المياه ضمن نظام هندسي قديم مرتبط بمجرى مائي مفقود يعرف باسم وادي دهشور.

وبحسب الدراسة، ربما امتدت هذه السدود لمسافة تتراوح بين 600 و700 متر، وكانت مهمتها السيطرة على تدفقات المياه المفاجئة، وتقليل تأثير الفيضانات، وتوجيه المياه نحو المناطق القريبة من الهرم الأحمر.

ويرى الباحثون أن أحد السدين ربما عمل كحاجز رئيسي لاحتجاز المياه، بينما أدى الآخر دورًا تنظيميًا للتحكم في تدفق المياه والرواسب، بما يشبه نظامًا هيدروليكيًا متكاملًا استخدمه المصريون القدماء قبل آلاف السنين.

الماء طريق لنقل الحجارة

ولا يقتصر دور هذا النظام المحتمل على حماية المنطقة من الفيضانات فقط، إذ يعتقد العلماء أنه ربما ساعد أيضًا في توفير ممرات مائية صالحة للملاحة بالقرب من موقع البناء.

وهذا يعني أن المصريين القدماء ربما استخدموا هذه القنوات لنقل كتل الحجر الجيري، والأخشاب، والغذاء، والأدوات، وحتى العمال، عبر القوارب، ما يجعل عملية بناء الأهرامات أكثر تنظيمًا مما كان يُعتقد سابقًا.

ويشير الباحثون إلى احتمال وجود المزيد من المنشآت المائية المدفونة تحت رمال وادي النيل، والتي قد تكشف مستقبلًا تفاصيل إضافية عن التقنيات الهندسية التي استخدمها المصريون القدماء.

الهندسة المائية

وأكدت الدراسة أن إدارة المياه ربما لعبت دورًا أكبر بكثير في هندسة الدولة المصرية القديمة مما افترضه العلماء سابقًا، إذ لم تكن الحضارة المصرية تعتمد فقط على مهارة البناء ونقل الأحجار، بل أيضًا على فهم متقدم للأنهار والفيضانات والموارد المائية.

ورغم أن هذا الاكتشاف يجيب عن جزء من لغز بناء الأهرامات، فإن أسئلة أخرى لا تزال قائمة، مثل كيفية رفع ملايين الكتل الحجرية التي يزن بعضها عدة أطنان ووضعها في مواقعها بدقة مذهلة.

ومع ذلك، يواصل علماء الآثار والمصريون القدماء تجميع أجزاء القصة تدريجيا، لتظهر صورة أكثر تعقيدًا عن حضارة امتلكت معرفة هندسية متقدمة قبل آلاف السنين.