في يوم 1 سبتمبر 1939 وقعت 3 أحداث مزلزلة جمعت بين قيام الحرب العالمية الثانية واكتشاف الثقوب السوداء وانقسام الذرة، هذه الأحداث غيرت مصير البشرية إلى الأبد.
ففي التاريخ نفسه الذي عبرت فيه القوات الألمانية حدود بولندا إيذاناً بقيام الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها 60 إلى 85 مليون شخص، بين 40 مليون مدني و20 مليون جندي، وهي الصراع الأكثردموية في تاريخ البشرية، نشرت مجلة Physical Review بحثين علميين فتحا الباب أمام عصر جديد هما عصر الثقوب السوداء والطاقة النووية وفق مجلة ناتشر.
في ذلك اليوم، قدم الفيزيائيان روبرت أوبنهايمر وهارتلاند سنايدر أول وصف رياضي لانهيار نجم ضخم تحت تأثير جاذبيته حتى يتحول إلى ما يعرف اليوم بالثقب الأسود.
وفي بحث آخر، شرح نيلز بور وجون ويلر آلية انشطار نواة الذرة، وهي العملية التي ستصبح لاحقاً الأساس العلمي لصناعة القنبلة النووية.
كان الإنسانية تنهار بفعل الحرب، وفي الوقت نفسه كان العلماء يكتشفون أن الكون نفسه يمكن أن يدخل مراحل من الانهيار لا يمكن إيقافها.
النجم الذي لا يجد أرضاً
قبل اكتشاف أوبنهايمر وسنايدر، كان كثير من العلماء يعتقدون أن انهيار النجوم يجب أن يتوقف عند مرحلة معينة، تماماً كما تسقط الأشياء على الأرض ثم تستقر.
لكن الحسابات أظهرت احتمالاً أكثر غرابة وهو إذا كان النجم ضخماً بما يكفي، فقد تستمر الجاذبية في سحقه بلا توقف.
تعيش النجوم طوال حياتها في حالة توازن دقيق بين قوتين متعاكستين هما ضغط الطاقة الناتجة عن الاندماج النووي الذي يدفع إلى الخارج، والجاذبية التي تسحب المادة إلى الداخل.
لكن عندما ينفد الوقود النووي، تفقد النجوم قدرتها على مقاومة الجاذبية.
بالنسبة للنجوم الصغيرة نسبياً، يتوقف الانهيار عند مرحلة القزم الأبيض، حيث تمنع قوانين ميكانيكا الكم الإلكترونات من الانضغاط أكثر.
أما النجوم الأكبر حجماً، فقد تنهار إلى نجوم نيوترونية، حيث تصبح المادة مضغوطة إلى درجة هائلة، وتتحول الذرات تقريباً إلى كتلة من النيوترونات.
لكن هناك حداً آخر، فإذا تجاوز النجم كتلة معينة، لا يستطيع حتى ضغط النيوترونات مقاومة الجاذبية، عندها يبدأ الانهيار الكامل نحو الثقب الأسود.
لحظة اختفاء الضوء
أوضح أوبنهايمر وسنايدر أن النجم المنهار يصل إلى نقطة تصبح فيها الجاذبية قوية للغاية بحيث لا يستطيع الضوء نفسه الهروب منها، هذه النقطة تعرف اليوم باسم أفق الحدث.
بالنسبة لمراقب بعيد، يبدو النجم وكأنه يتباطأ تدريجياً كلما اقترب من هذه المنطقة، حيث تتمدد موجات الضوء ويبدو الزمن وكأنه يتوقف، لكن بالنسبة للمادة التي تسقط داخله، يستمر الانهيار بلا توقف.
كان هذا الاكتشاف صادماً، لأنه كشف أن الكون يمكن أن يحتوي على مناطق تختفي فيها القواعد المعتادة التي نعرفها عن المكان والزمن.
الذرة التي يمكن أن تنقسم
في اليوم نفسه، كشف بور وويلر أن نواة الذرة ليست جسماً صلباً كما كان يعتقد سابقاً، بل تشبه قطرة سائلة يمكن أن تتمدد وتنقسم.
عندما تصطدم نيوترونات معينة بنواة ثقيلة مثل اليورانيوم-235، يمكن أن تصبح النواة غير مستقرة وتنقسم إلى جزأين، مطلقة كمية ضخمة من الطاقة ونيوترونات جديدة قادرة على إحداث انقسامات إضافية.
هذه العملية، المعروفة باسم الانشطار النووي، كانت بداية الطريق نحو تطوير المفاعلات النووية ثم الأسلحة النووية التي ستغير ميزان القوى العالمي خلال الحرب العالمية الثانية.
لم يكن العلماء في ذلك الوقت يعرفون تماماً حجم التأثير الذي سيحدثه اكتشافهم، لكنهم كانوا يفتحون باباً نحو واحدة من أقوى القوى التي عرفها الإنسان.
بين انهيار العالم وانهيار الكون
في الوقت الذي كانت فيه المعادلات العلمية تكشف هشاشة النجوم والذرات، كانت المدن الأوروبية تستعد لحرب مدمرة.
صفارات الإنذار دوت في العواصم، وبدأت عمليات الإجلاء، ونُقلت الكنوز التاريخية إلى أماكن آمنة خوفاً من القصف.
كان العالم يقف أمام سلسلة من نقاط التحول وهي نجم ينهار تحت قوة الجاذبية، وذرة تنقسم تحت تأثير النيوترونات، ومجتمعات بأكملها تنزلق نحو الحرب.
درس أخطر يوم
تكشف قصة 1 سبتمبر 1939 حقيقة عميقة وهي أن كثيراً من الأنظمة في الكون والحياة تبدو مستقرة، لكنها في الواقع تعتمد على توازنات دقيقة.
فالنجوم تبقى متماسكة بسبب صراع بين قوى متعاكسة، والذرات تبقى مستقرة بفضل توازنات دقيقة، والمجتمعات البشرية تستمر طالما حافظت على ركائزها.
لكن عندما تختل هذه التوازنات، قد تحدث سلسلة من الأحداث يصعب إيقافها.
وأثبت هذا اليوم أن الانهيار ليس دائماً نهاية الطريق، ففي قلب أكبر الأزمات قد تظهر أيضاً اكتشافات جديدة، وقدرة الإنسان على الفهم والمقاومة وإعادة بناء التوازن من جديد.