مشهد ثقافي يتنامى بإيقاع متسارع، تتدفق فيه النصوص وتتزاحم التجارب الإبداعية، وتبرز خلال ذلك الندوات الثقافية في الإمارات بوصفها منصات حيوية لإعادة التوازن إلى هذا الزخم، عبر إحياء صوت النقد ومنحه مساحة تليق بدوره في قراءة المنجز الأدبي وتأويله.
فبين غزارة الإنتاج ورصانة التحليل، تتشكل معادلة دقيقة تسعى هذه الندوات إلى ترسيخها، ليس من خلال احتضان الحوار وتداول الأفكار فقط، بل عبر السعي إلى بناء وعي نقدي قادر على مرافقة الإبداع، ومساءلته، والارتقاء به ضمن مشهد ثقافي أكثر نضجاً واتساعاً.
وأكدت المهندسة عزة بنت سليمان، مؤسِّسة مبادرة «شرفة القراءة»؛ وهي صالون أدبي تفاعلي منذ عام 2019، أن الندوات الثقافية في دولة الإمارات أسهمت إلى حدٍّ ملحوظ في إعادة حضور الخطاب النقدي إلى المشهد الثقافي، من خلال فتح مساحات للحوار حول الأدب والفكر، وتعزيز الاهتمام بالنقاش الثقافي لدى جمهور أوسع.
وأوضحت، خلال حديثها لـ«البيان»، أن هذا الدور ما زال بحاجة إلى مزيد من التطوير؛ لأن بعض الندوات لا تزال تدور في إطار النخبة المحدودة أو تتسم بشيء من الجمود، مشيرةً إلى أن النقد الحقيقي ينبغي أن يكون قريباً من الإنسان، ومن أسئلته وتجربته اليومية، لا أن يبقى حبيس اللغة المغلقة أو الطرح البعيد عن الواقع.
ولفتت إلى أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي فرض على الندوات الثقافية أن تجدّد أدواتها ولغتها، وأن تصبح أكثر قدرة على الوصول والتأثير، مشددةً على ضرورة إشراك فئات متنوعة من المجتمع هو ما يمنح هذه الندوات حيويتها وعمقها، كما يظهر في تجربة «شرفة القراءة».
وختمت بأن تطوير الندوات الثقافية يتطلب تجديداً في الشكل والمضمون، وربط النقد بالحياة، لتتحول إلى منصات فاعلة في إنتاج وعي ثقافي مؤثر ومستدام.
تداول الأفكار
من جانبه، أكد الكاتب سلطان الزعابي الدور الجوهري الذي نهضت به الندوات الثقافية في دولة الإمارات لإعادة تنشيط الخطاب النقدي، موضحاً أنها تجاوزت مجرد استضافة القامات النقدية لتصبح مساحة مستدامة لتداول الأفكار وتفكيك النصوص الأدبية.
وأشار إلى أن هذا الحضور النقدي بات جزءاً لا يتجزأ من المشهد الثقافي العام، لاسيما مع تنامي الفعاليات المصاحبة للمعارض والجوائز الأدبية، التي اعتبرها فضاءً حيوياً يسهم في تجسير الهوة بين الناقد والمبدع.
وبرغم هذه المكتسبات، رأى الزعابي أن الحوار بين المبدع والناقد لم يصل بعد إلى مرحلة النضج الكامل، مبيناً أن العديد من الندوات لا تزال تكتسي طابعاً نخبوياً، سواء في لغتها الأكاديمية أو طبيعة طرحها، ما يضع عائقاً أمام وصولها إلى شريحة أوسع من جمهور القراء.
وفي سياق طرحه لحلول تطويرية، شدد الزعابي على ضرورة ربط هذه الندوات بمخرجات إنتاجية ملموسة، مقترحاً نشر مخرجات الندوات في صورة دراسات نقدية متخصصة، وتبني مشاريع بحثية أو ورش عمل مستمرة تبنى على ما يتم طرحه في تلك الجلسات، وتوظيف التقنيات الحديثة والبث الرقمي لتوسيع دائرة التأثير وتحويل الندوة من مجرد حدث مؤقت إلى منصة مستدامة لإنتاج خطاب نقدي فاعل.
وفي ختام حديثه، لفت سلطان الزعابي إلى أهمية الدور النقدي في ظل بروز مبدعين جدد سنوياً، حيث أشار إلى أن بعض التجارب الأدبية الناشئة قد لا تصل إلى المستويات المطلوبة في بداياتها، مؤكداً أن تعظيم دور الحركة النقدية في هذا الجانب يعد ضرورة لصقل مهارات هؤلاء الكتَّاب، بما يصب في نهاية المطاف في تعزيز الحراك الثقافي الشامل الذي تشهده الدولة.