مشهد ثقافي يتسع لأسئلة القراءة العميقة والرؤى الإبداعية، حيث ملتقيات وأندية القراءة في الإمارات التي لم تعد مجرد تجمعات عابرة لتبادل الانطباعات، بل تحولت إلى فضاءات حية لإعادة اكتشاف النصوص وتفكيكها، وصياغة علاقة أكثر وعياً بين القارئ والكتاب. وبين نقاشات تتقاطع فيها الخبرات والذائقة، تنمو ملامح قارئ جديد، لا يكتفي بالتلقي، لكنه يشارك في إنتاج المعنى، ويعيد النظر في المسلمات الأدبية.

هذا التحول اللافت يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول دور هذه الأندية في ترسيخ الوعي النقدي، ومدى قدرتها على الارتقاء بالذائقة العامة، وردم الفجوة بين القارئ والنقد الأكاديمي.

وأكدت الناقدة كنانة حاتم عيسى، في حديثها لـ«البيان»، أن طفرة الأندية القرائية، خصوصاً في الإمارات، نجحت في رفع مستوى الوعي الثقافي ونقل القارئ من مرحلة الهواية إلى مرحلة القراءة الواعية والنقدية، وأن الحوار وتبادل الخبرات القرائية يعزز من قيمة النص الأدبي ويقدم زوايا فهم جديدة قد تغيب عن الكاتب نفسه، معتبرة انتقال هذه الحوارات من مجالس القهوة الصباحية إلى منصات الإعلام والبرامج الإذاعية يعد خطوة إيجابية تعكس نضج المجتمع الثقافي العربي.

وعن الدور الملقى على كاهل الناقد وسط هذا المشهد الذي تصنعه الأندية القرائية، رأت كنانة أن ثمة ضرورة لتطوير الأدوات النقدية وعدم الاختباء خلف المصطلحات المعقدة، موضحة أن أزمة النقد الراهنة تكمن في تمسكه بلغة عتيقة ومتلاشية تنفر القراء وتخلق فجوة بينهم وبين النص النقدي.

وشددت على أهمية خلق جسر واصل بين الناقد ومجتمع التلقي بمختلف فئاته، داعية إلى تقديم نقد معاصر شفاف مباشر يخاطب الأجيال الشابة بلغتهم، بعيداً عن لغة الخطاب الاستعلائية؛ لمواجهة بعض القراءات السطحية أو المضللة التي قد تروج لأعمال ضعيفة فنياً على أنها روائع أدبية.

جهد تراكمي

من جانبه، أشاد المترجم حازم إبراهيم بتجربة أندية القراءة في الإمارات، مبرزاً دورها الحيوي في تنشيط الحراك الثقافي وتعزيز حضوره، واصفاً إياها بـ«الجهد التراكمي» الذي أسهم بفاعلية في إعادة شريحة واسعة من الجمهور إلى عالم الرواية والقراءة عموماً.

ولفت إلى مشاركته الشخصية في أربعة أندية قراءة، تتنوع بين الحضور المباشر والافتراضي، الأمر الذي يعكس مرونة هذه المبادرات وقدرتها على استيعاب أنماط مختلفة من القراء. وأكد أن هذه الأندية نجحت، على امتداد العقد الماضي، في استقطاب أعداد متزايدة من المهتمين بالقراءة، بما يعزز من حضور الكتاب في الحياة اليومية.

وأشار كذلك إلى حالة التكامل الواضحة بين ملتقيات وأندية القراءة والفعاليات الثقافية الكبرى، مثل مهرجان طيران الإمارات للآداب، ومعرضي الشارقة وأبوظبي الدوليين للكتاب، موضحاً أن هذا التناغم يسهم في بناء منظومة ثقافية متكاملة، تهيئ بيئة مشجعة على القراءة، وتدعم استمرارية الحراك الثقافي، بما يضمن ديمومة الصناعة الثقافية وتطورها.

وأكدت شيرين الزقزوقي، العضوة في نادي «ملتقى الروايات»، أن صالونات وأندية القراءة نجحت في نقل القارئ من مرحلة الهواية البسيطة إلى مرحلة القراءة الناقدة والواعية، موضحة أن هذه التجمعات الثقافية تسهم بشكل مباشر في إحداث تطور نوعي في الفكر الإنساني والثقافي، عبر دفع القارئ للاطلاع على نماذج فكرية وأدبية متنوعة قد تختلف عما اعتاد عليه، ما يؤدي إلى إثراء معرفته وصقل قدراته التحليلية.

وفي سياق المقارنة بين القارئ الهاوي والناقد الأكاديمي، أوضحت الزقزوقي أن هناك فروقاً واضحة، لكنها تكاملية وليست تنافسية، مبينة أن القراء الهواة يستفيدون بشكل كبير من الآراء الأكاديمية التي تقدم منظوراً نقدياً ولغوياً وسردياً مختلفاً، ما يثري النقاش ويسمح بتبادل الأفكار بين الطرفين، حيث يتعلم الأكاديمي من عفوية الهواة، ويتعلم الهواة من انضباط المنهج الأكاديمي.

وثمنت سهام جبريل، العضوة في نادي «ملتقى الروايات»، الدعم الحكومي والمجتمعي الكبير لملتقيات وأندية القراءة في الإمارات، مؤكدة أن الدولة وفرت الأماكن والكتب التي يقدم الكثير منها مجاناً لتحويل القراءة من مجرد هواية إلى عنصر فعال في تكوين الشخصية المثقفة.

ودعت سهام إلى ضرورة الارتقاء بمستوى القارئ العربي ليصل إلى مرحلة القارئ المثقف الممتاز، وهو القارئ الذي لا يكتفي بالقراءة السطحية، بل يمتلك القدرة على تفكيك المعاني وقراءة ما بين السطور، مشيرة إلى أن القارئ لا يمكن أن يضيف إلى العمل الأدبي ما لم يمتلك حساً نقدياً واعياً.