بين طبقات الذاكرة الشعبية ووهج الحكايات المنسية، تواصل الكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي نسج مشروعها السردي القائم على استنطاق الهامشي والشفهي، وتحويل تفاصيل الحياة القديمة إلى نصوص نابضة بالأسئلة الإنسانية والرمزية العميقة.

وفي مجموعتها القصصية «كحل إثمد»، التي تُوجت بجائزة لجنة التحكيم في مجال الإبداع السردي «القصة القصيرة» ضمن الدورة الثامنة من جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية، تعيد المزروعي تأويل المخيال الإماراتي بلغة تمزج الواقعي بالخرافي، وتمنح المرأة والذاكرة والمكان حضوراً يتجاوز الصورة التقليدية إلى فضاءات أكثر اتساعاً ودهشة.

وفي حوارها مع «البيان»، كشفت فاطمة المزروعي عن كواليس كتابة العمل، ورهاناتها الفنية، وأسئلتها المفتوحة حول الهوية والتحولات والإنسان، حيث أكدت أن فوز مجموعتها القصصية «كحل إثمد» بجائزة الإبداع السردي يمثل لحظة امتنان عميقة ومسؤولية أدبية جديدة تضعها أمام تحدي تطوير أدواتها الإبداعية، مشيرةً إلى أن هذا التقدير منحها شعوراً بأن منهجها في الكتابة، الذي ينصت إلى «الهامشي والمنسي والشفهي»، قد وصل بالفعل إلى وجدان القارئ والناقد على حد سواء.

ووصفت المزروعي عملها الأدبي الفائز بأنه مشروع قريب من روحها تطلَّب عاماً كاملاً من البحث المكثف في الوثائق التاريخية والأفلام الأرشيفية المتعلقة بحقبتَي الستينيات والسبعينيات، لافتةً إلى الدور المحوري للمقابلات الشخصية مع السيدات الكبيرات في السن، وبينهن والدتها، في رسم صورة متكاملة للذاكرة الشعبية التي تشكلت منها نصوص المجموعة.

دلالات عميقة

وحول رمزية العنوان، بينت فاطمة المزروعي أن «كحل إثمد» ليس مجرد عتبة شكلية، بل هو مفتاح لدخول العوالم الداخلية للنصوص، وأنه يحمل في الذاكرة المحلية دلالات الجمال والحماية والبصيرة، مؤكدةً أنها حاولت توظيف هذه الرمزية لاكتشاف العالم العميق خلف الشخصيات التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزن تعقيدات نفسية من الخوف والرغبة.

وأوضحت أن مزجها بين الواقعي والخرافي واستحضار الكائنات البحرية والأساطير ليس مجرد ترف سردي، بل هو محاولة لإعادة تأويل المخيال الشعبي الإماراتي بطريقة معاصرة، مشددةً على أن الخيال في قصصها يعد وسيلة لفهم الواقع وهواجس الإنسان القديم، وطرح أسئلة حول الهوية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها المنطقة.

وذكرت الكاتبة أن حضور المرأة في قصصها، مثل شخصيتي «أمونة» و«أم السعد»، يتجاوز الصورة النمطية أو الفولكلورية الجامدة، وأنها سعت لمنح هؤلاء النساء أصواتهن الخاصة للتعبير عن هشاشتهن الإنسانية وصبرهن، واصفةً المرأة في عملها بأنها «حاملة للذاكرة والمكان، ومجسدة لتفاصيل الماضي الممزوجة بالعادات والتقاليد بكل مصداقية وشفافية».

نهايات مفتوحة

وعن خياراتها الفنية، أشارت فاطمة المزروعي إلى تعمدها اعتماد النهايات المفتوحة لإشراك القارئ في إنتاج المعنى، مؤمنةً بأن الغموض أحياناً يكون أكثر صدقاً من التفسير المباشر. وقالت: «الحياة لا تقدّم حقائق نهائية، والنهاية المفتوحة تمنح النص حياة إضافية خارج الصفحات».

واختتمت المزروعي حديثها بالتأكيد أن مشروعها السردي المقبل سيظل مرتبطاً بالتراث كأداة لفهم الحاضر، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة التجريب وعدم البقاء في «المنطقة الآمنة»، معربةً عن طموحها في خوض أشكال كتابية جديدة تشتبك مع الأسئلة الوجودية والتحولات الحديثة التي يواجهها الإنسان المعاصر.