في عالم تتنافس فيه الشاشات والمحتوى السريع على سرقة انتباه الأطفال، لم يعد التحدي الحقيقي في صناعة كتاب الطفل مرتبطاً بإنتاج المزيد من الكتب فقط، بل بصناعة تجربة قادرة على جذب الطفل إلى القراءة من جديد، وإقناعه بأن الكتاب لا يزال مساحة للدهشة والخيال والاكتشاف.
لهذا باتت جودة كتاب الطفل تقاس بقدرته على مخاطبة خيال الطفل ولغته وعالمه البصري، وتقديم محتوى يفهمه ويشبهه، وفي الوقت نفسه يفتح أمامه نوافذ أوسع على المعرفة والثقافات الأخرى.
وازدادت أهمية هذا الأمر في ظل مؤشرات عالمية لافتة، إذ تشير بيانات «اليونيسف» إلى أن نحو أربعة من كل عشرة أطفال بين سن الثانية والرابعة لا يحصلون على ما يكفي من التفاعل المعرفي داخل المنزل، بينما يُحرم ملايين الأطفال في مراحل لاحقة من امتلاك مهارات القراءة الأساسية.
وفي المقابل، تؤكد المؤسسات التربوية أن القراءة المبكرة والحكايات والكتب المصورة لا تزال من أكثر الأدوات تأثيراً في بناء اللغة والخيال والقدرة على التعلم.
في مواجهة هذه التحديات، تقدم «مجموعة كلمات» واحدة من أبرز التجارب العربية التي سعت إلى إعادة تعريف كتاب الطفل العربي، ليس بوصفه منتجاً تعليمياً فحسب، بل تجربة معرفية وبصرية متكاملة، تستند إلى معايير عالمية في الكتابة والرسم والإنتاج، وتنطلق في الوقت نفسه من اللغة العربية والبيئة الثقافية المحلية.
ومنذ تأسيسها في الشارقة عام 2007، عملت المجموعة على بناء مشروع متخصص في نشر كتب الأطفال واليافعين، نجح في تطوير أكثر من ألف عنوان، والوصول إلى شبكة توزيع تضم أكثر من 130 شريكاً حول العالم، ضمن رؤية تقوم على تقديم محتوى عربي قادر على المنافسة في الأسواق والمنصات الدولية.
عمل متكامل
يقول أحمد عبدالسلام العلي، مدير عام مجموعة كلمات: «صناعة كتاب الطفل تحتاج إلى قرار تحريري واضح في كل مرحلة؛ من اختيار الفئة العمرية والموضوع إلى مستوى اللغة، وطريقة بناء القصة، ودور الرسوم في تقديم المعنى، ثم جودة الطباعة والإخراج. في مجموعة كلمات ننظر إلى الكتاب بوصفه عملاً متكاملاً، لذلك لا يكفي أن تكون الفكرة جيدة إذا لم تكن مناسبة لعمر الطفل، ولا تكفي الرسوم الجميلة إذا لم تخدم النص، فالتحدي اليوم هو إنتاج كتاب عربي يستطيع أن ينافس من حيث المضمون والشكل، وأن يكون قريباً من بيئة الطفل، وفي الوقت نفسه يكون قابلاً للوصول إلى أسواق وقراء من ثقافات مختلفة».
في المعايير العالمية، يبدأ كتاب الطفل الجيد من احترام الطفل بوصفه قارئاً له ذائقته وقدرته على الفهم، فالجمعية الأمريكية لخدمات المكتبات للأطفال، في معايير «نيوبري»، تنظر إلى جودة النص من زاوية الفكرة، ودقة المعلومات، ووضوحها، وبناء الحبكة والشخصيات والمكان، وملاءمة الأسلوب لجمهور الأطفال. وفي معايير «كالديكوت»، التي تُعد من أهم مرجعيات تقييم كتب الصور، تقوم الجودة البصرية على إتقان التقنية الفنية، وقدرة الصورة على تفسير القصة أو الفكرة، وانسجام أسلوب الرسم مع الموضوع، وتقديم العمل بما يراعي جمهور الطفل.
هذه المعايير تظهر بوضوح في تجربة «مجموعة كلمات» حين ننظر إلى حضورها في الجوائز الدولية، فقد سُمّيت «كلمات» «أفضل ناشر للأطفال في آسيا» ضمن جوائز بولونيا، وفاز كتاب «بيت الحكمة» للشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمجموعة كلمات، برسوم مجيد زاكري يونسي، بجائزة «بولونيا راجازي» في فئة الكتب القصصية، الذي تتجسد فيه إحدى أهم قواعد صناعة كتاب الطفل؛ تقديم المعرفة التاريخية من خلال سرد بصري وأدبي قادر على جذب الطفل.
تنوع ثقافي
ويتصل ذلك بمعيار آخر بالغ الأهمية في أدب الطفل، وهو التنوع الثقافي والملاءمة المحلية، فإرشادات الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات «إفلا» تؤكد ضرورة أن تضم مجموعات كتب الأطفال مواد مناسبة، ومتنوعة في الأشكال، وممثلة للمجتمع المحلي، ومكتوبة باللغات المتداولة فيه، مع حضور للمؤلفين والرسامين المحليين. كما تشدد على أن تكون الكتب حديثة وجذابة ومنظمة بطريقة يفهمها الأطفال، وأن تعكس تنوع المجتمعات وقدرات الأطفال وخلفياتهم.
وفي هذا الجانب، يتضح موقع «كلمات» من خلال اشتغالها على كتاب عربي موجه للطفل من داخل بيئته اللغوية والثقافية؛ إذ تمنح العربية حضوراً أصيلاً في القصة والصورة والموضوع، وتفتح أمام الطفل عوالم قريبة من يومياته وذاكرته ومحيطه، من الأسرة والمدرسة والمدينة إلى الحكايات المستمدة من التراث والخيال والمعرفة.
كما يبرز هذا التوجه في اعتماد المجموعة على كتّاب ورسّامين ومبدعين من المنطقة، بما يجعل الكتاب مساحة تعكس ملامح الطفل العربي وتجاربه وأسئلته، وتقدم له محتوى حديثاً وجاذباً من دون أن يفقد صلته بالثقافة التي ينتمي إليها.
تجربة عربية
بهذا المعنى، يتكون نموذج «كلمات» من عناصر تجمع بين الإنتاج المدروس والاعتراف الدولي من منصات متخصصة، والعناية الواضحة بالنص والصورة والهوية، والاستناد إلى المعايير العالمية المعتبرة في صناعة كتب الأطفال واليافعين. ومع زيادة المنافسة بين الكتاب والشاشات والمحتوى السريع، يصبح الحديث عن المجموعة حديثاً عن تجربة عربية رائدة في إنتاج الكتاب الذي يتجاوز حضوره لحظة القراءة الأولى، ليبقى في ذاكرة الطفل ويؤسس علاقة أعمق مع المعرفة.