لم تعد الحرف البحرية الإماراتية مجرد مهن ارتبطت بالبحر ومواسم الغوص والصيد، بل تحولت اليوم في سياقات إحيائها واستحضارها، إلى تجربة معرفية يعيشها جيل جديد من الشباب، يتعلم من خلالها تفاصيل الحياة القديمة، ويفهم كيف صنع الأجداد علاقتهم بالبحر من أدوات بسيطة ومواد مستمدة من البيئة.
وبين الورش التفاعلية والمعارض التراثية، تعود هذه الحرف بوصفها مساحة للتعلم واكتشاف الهوية، لا مجرد مشاهد محفوظة خلف واجهات العرض.
وفي هذا الصدد، تؤكد سميرة الغيص، أمين متحف الشارقة البحري، في حديثها لـ«البيان»، أهمية المتحف في هذا الميدان، كونه يعمل على نقل الحرف والمهن البحرية بوصفها جزءاً من الموروث الإماراتي المرتبط بحياة الآباء والأجداد، مشيرة إلى أن هذه الحرف تحمل رسائل تتعلق بالاستدامة والمعرفة المتوارثة وكيفية توظيف الموارد الطبيعية في الحياة اليومية.
وأوضحت أن المتحف يسلط الضوء على حرف بحرية رئيسية، من بينها صناعة «الشاشة» من جريد النخيل، وهي قارب صغير كان يستخدم في رحلات الغوص القريبة من الشاطئ وصيد الأسماك، إلى جانب صناعة «الديين» الذي كان يعلقه الغواص حول رقبته لجمع المحار أثناء رحلات الغوص، إضافة إلى حرفة «ترويب الليخ» الخاصة بصناعة شباك الصيد التقليدية.
وأضافت أن هذه الحرف تكشف للجيل الجديد كيف عاش الأجداد، وكيف اعتمدوا على البحر والنخلة في تفاصيل حياتهم اليومية، موضحة أن المتحف لا يكتفي بعرض الأدوات، بل يحولها إلى تجربة حية من خلال الورش التعليمية والأنشطة العائلية وبرامج تدريب طلبة المدارس والزوار، بهدف تعريفهم بطريقة صناعة هذه الأدوات واستخداماتها القديمة.
وأكدت أن المتحف يحرص على الحفاظ على أصالة الحرف من خلال استخدام المواد الطبيعية نفسها التي استخدمها الأجداد، مثل جريد النخيل والحبال التقليدية، حتى تبقى التجربة قريبة من روحها الأصلية بعيداً عن التشويه التجاري أو التغييرات التي تفقدها هويتها التراثية.
من جهته، قال الحرفي حمد يوسف الحمادي، المتخصص بالمجال، إن علاقته بصناعة «الشاشة» بدأت داخل المتحف بعد أن استلهم الفكرة من نموذج كبير معروض هناك، ليقرر خوض التجربة بنفسه وتحويلها لاحقاً إلى ورش تعليمية يشارك بها الزوار والشباب في المهرجانات والفعاليات التراثية.
وأوضح أن هذه المشاركة لم تعد مجرد ممارسة لهواية قديمة، بل أصبحت وسيلة لإحياء التراث وتعريف الجيل الجديد بطريقة حياة الأوّلين، مشيراً إلى أنه يحرص أثناء صناعة «الشاشة» على الالتزام بشكلها التقليدي الأصلي دون إضافات تفقدها هويتها، رغم بعض المحاولات الحديثة لتغيير تفاصيلها أو توسيع استخدامها.
وأشار إلى أن الإقبال من الشباب على تعلم هذه الحرف يعكس رغبة حقيقية في اكتشاف التراث وفهم تفاصيل الحياة البحرية القديمة، مضيفاً أن الورش تمنحهم فرصة لرؤية كيف كان الأجداد يصنعون أدواتهم ويعتمدون عليها في الصيد والغوص والتنقل.
بدوره، أوضح الحرفي عبدالله خليفة، أنه تعلم هذه الحرف من والده وكبار السن الذين مارسوا المهن البحرية قديماً، مؤكداً حرصه على تنفيذها بالطريقة التقليدية نفسها للحفاظ على روحها الأصلية ونقلها كما عرفها من الجيل السابق.
وأضاف أن المشاركة في الورش والمعارض التراثية أسهمت في تعريف فئات جديدة من الشباب بهذه الحرف، وجعلتهم أكثر قرباً من تفاصيل البيئة البحرية الإماراتية، لافتاً إلى أن تعلّم هذه المهن يمنح الجيل الجديد ارتباطاً أكبر بتراثه ويبعده عن العزلة الرقمية والانشغال الدائم بالهواتف.
وقال إن الحرف البحرية ليست مجرد أدوات قديمة، بل حكايات مرتبطة بالصيد والغوص وحياة الناس في الماضي، مؤكداً أهمية أن يتعرف الشباب إليها بوصفها جزءاً من الهوية والتاريخ الاجتماعي للمنطقة.