قد تبدو لوحات الإيطالي لوسيانو فونتانا، للوهلة الأولى، أقرب إلى فعل تخريب منها إلى عمل فني، فالسطح أحادي اللون، تتوسطه شقوق حادة، وكأن اللوحة تعرّضت لجرح مقصود.

ولكيلا ننفي تجربته ولا نجرحها، يبقى هذا الانطباع الأول هو المدخل الضروري لفهم أعماله الفنية المعاصرة، لأننا كلما اقتربنا من العمل، نجد الشق ليس عشوائياً كما يبدو، لأن حافته نظيفة، ممتدة بثبات، وتكشف عن فراغ خلفي مظلم، غالباً ما يُدعّم بقماش أسود يخفي ما وراءه.. هنا تتحول اللوحة من سطح يُرى إلى مساحة تُخترق، هنا يصبح اللون ليس الموضوع ولا الفكرة، بل ما يقع خلفه.

في هذا النوع من الأعمال لفونتانا الذي عاش بين (1899 – 1968م)، تُقرأ لوحاته بوصفها جسداً، فالسطح مادة قابلة للفعل، للقطع، ولإعادة التشكيل.. الشقّ، إذاً هي بنية أساسية فيه، وفعل يفتح اللوحة على بُعد ثالث، يتجاوز الوهم البصري الذي طالما سعت إليه الفنون التقليدية.. كيف؟ لاحظوا اللون في أعماله، غالباً ما يكون مُوحداً: أبيض، أحمر، أو أسود.. هذا الاختزال يبدو قراراً يوجّه الانتباه من الفراغ أو الفضاء نحو الحدث المركزي، أي لحظة القطع، وحين يغيب التنوع اللوني، تصبح العين أكثر حساسية للخط نفسه وللجرح، لوحدته، لاتجاهه، وللظل الذي يتشكل داخله.

من خلال البحث في اللقاءات مع الفنان، يبدو أنه كان متأثراً بالحروب الباردة، لذا يبدو الجرح والتمزق والثقوب والشقوق في لوحات أحادية اللون واضحة، من الفضاء والفراغ والآفاق، ثمة أمل لهذه التمزقات، وتلك الشقوق، وهي لحظات روحية فريدة، للبُعد الكوني، ليصبح للفن أسلوب من خلال الفنان الذي يتكيف مع عصره الجديد.

أما إذا نظرنا إلى الشق من زاوية مختلفة، فسنلاحظ أن الضوء يسقط عليه بعمق، هنا يحدث التحول، من اللوحة التي لم تعد مستوية، لتدخل في علاقة مع الفراغ، ومع ما لا يُرى بالكامل، هذا (الخلف) واحتمال مفتوح، ليوسّع حدود العمل، ويعيد التعريف الجذري للوحة، وبدلاً من أن تكون مجرد نافذة تصبح كياناً مادياً، فلا سرد ولا تمثيل، بل فعل مباشر على السطح.

لهذا، لا تُفهم هذه الأعمال من خلال السؤال: ماذا تعني؟ ولعلنا نستطيع تغيير السؤال إلى ماذا حدث؟ لماذا هذا الشق؟ الشقّ لحظة، وأثر حركة، وقرار نهائي لا يمكن التراجع عنه، أي تسجيل لفعل زمني، كي لا تكون صورة ثابتة.

ومع هذا الفعل يتغير موقع المتلقي، لينظر إلى عمق مرسوم وحقيقي، حتى وإن كان محدوداً.. وفتحٌ في المادة يكشف أن ما وراء اللوحة ليس موضوعاً آخر، بل فكرة، وأن الفن يمكن أن يبدأ من القطع، لا من الإضافة، ومن الفراغ، لا من الامتلاء.

الشق ليس عشوائياً

تغيير السؤال من ماذا يعني؟ إلى ماذا حدث؟

لوحة لفونتانا، هل الجرح مقصود؟

التأثر بالحروب الباردة