حين نقف أمام أعمال الأمريكي مارك روثكو (1903 - 1970م)، فإننا أمام حقل بصري يتجاوز التمثيل إلى التجربة، فالفنان «لاتيفي» الولادة والجذور (لاتفيا)، حين كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الروسية، وأمريكي الجنسية بعد أن هاجر إليها، لينخرط في تحولات الفن الحديث هناك، منتقلاً من التعبير الكلاسيكي، إلى الفن الذي عُرف لاحقاً بالفن التجريدي، المعتمد على أشكال ونماذج مجردة، تنأى عما نراه في صورته الطبيعية والواقعية، ومع ذلك رفض روثكو تصنيف أنه فنان تجريدي، وقاوم التفسيرات التي اختزلت أعماله إلى مجرد اهتمامات جمالية، بل تأملات وجودية وإنسانية عميقة.

وعليه إن تأملنا نحن لوحاته، نجد أنها حقولاً من الألوان، أغلبها مستطيلات لونية عائمة وضخمة، ذات حواف ناعمة، هذه الحواف تبدو فعلاً مثيرة للمشاعر، بينما معظم الألوان بالأحمر والبرتقالي والأزرق... وأحياناً طبقة باهتة في لون نقي، تبدو مثل السرد لصالح الأثر النفسي المباشر، وتمنح المتلقي، حسب إحساسه، انغماساً بالتأمل لا بالمشاهدة، وعلى الرغم أن البعض اعتبر هذه البساطة ليست فناً بل فقر بصري، إلا أن البعض الآخر دافع عن فنه، وأن هذه نتيجة مسار روثكو الطويل المتخلي عن الشكل لصالح الإحساس، فالحياة زمن متراكم.. لهذا تبدو لنا حدوده ضبابية، وكأنها تتنفس، أو كأنها على وشك التلاشي.

في الواقع إن لوحات مارك روثكو ليست تقليدية، لذا تبدو لنا جمالياً تعبيراً صادقاً عن الروحانية، فهذه الألوان تتناول موضوعات كبرى كالمأساة والنشوة والمصير الإنساني، فالأحمر عادة عند الرسامين هو من أجل الشعور بالتوتر الداخلي، واللون البرتقالي يعتمدونه ومضة عابرة بين حضور وغياب، وليس كما نعتقد أنه لون الطاقة، ففي الفن نحن أمام لغة بديلة، لا تقول، بل تشعر، وتحاصر المتلقي بتجربة صامتة، دون الخوض في الوصف والواقع المجسد كما السابق، ويخطئ من يعتبر لوحات روثكو بألوانها تلك ليست فناً وأنها شيء غير مفهوم، بدليل تقنية التظليل في ألوانه الجريئة مع طلاء شفاف، خلقَ الضبابية، والضبابية في الفن غموض للبعض، وتحول بين الصلابة والعمق للبعض الآخر، ملموس لغيرنا أمام ألوانه الزاهية، إذن الإحساس لا محدود في لوحاته، بهدف إثارة المشاعر والعواطف الإنسانية، والروحانيات العميقة، بينما الألوان الساطعة فهي للمأساة والحب وأيضاً في الألوان القاتمة، ولمن يشاهد لوحاته عليه ألا يفوت المغزى الحقيقي بعلاقات الألوان ببعضها، فهي كتل تبرز وتتراجع، أي كأنها تتنفس.

عند قراءتي عن سيرة روثكو الفنية مع السوق، صرّح مرات عدة أنه يزدرئ تسليع الفن، ورفض عرضاً مربحاً من فندق معروف دولياً بتعليق لوحاته في مطاعمه، قائلاً: لا مكان للوحاتي في مكان مخصص للإسراف والترف.

لكن بعد وفاته بيعت لوحاته بعشرات الملايين من الدولارات، وهو أمر ساخر ومتناقض لهدفه، وكأنه استغلال وتحدٍ لتلك الأنظمة التجارية في تحويل لوحاته التأملية والروحانية والوجودية العميقة إلى مجرد أصول مالية للأثرياء.

وأخيراً فإن سر تراتبية تلك الألوان أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان واللوحة اليوم في عصر التفاعل الرقمي، فما زالت تخاطب المشاعر الإنسانية، في زمن يفيض بالصور والضجيج، لتبدو لوحات روثكو مساحة للإنصات والتأمل الخالد.