في الفن المعاصر، ثمة تجربة تسمى فن التكرار، وبشكل مستمر، حتى تقف على حافة المعنى.. والتكرار هنا مثل أي نمط بسيط يتم تكراره. النقطة تتكرر، والخطوط تتكرر.. حتى يمتد التكرار إلى شكل يعاد بلا نهاية، يخفي في أعماقنا سؤالاً مقلقاً: إلى متى؟ وربما سؤال آخر يقودنا إلى، ماذا يحدث إذا فقدت الأشياء فرادتها بالتكرار؟ ألا يؤدي التكرار إلى هاوية.. فلا استقرار مع التكرار، بل الذوبان. التكرار لا ينتج طمأنينة، لأنه مفتوح على فراغ، كل نقطة تُشبه الأخرى، تضيف إلى الإحساس بالتراكم، ومع تزايد العدد، يتلاشى التمييز، وتفقد العين قدرتها على التثبيت، فما نراه هي كتلة لا نهائية، تُربك الإدراك وتدفعنا إلى حدود العجز، خاصة عند اللحظة التي تتوقف العين عن العدّ، هي بداية الهاوية.
كمثال، أعمال الفنانة اليابانية المعاصرة والمعروفة يايوي كوساما، مواليد 1929، جعلت من النقطة عالماً، لتتجلى هذه الفكرة بوضوح في مجمل أعمالها. كرست منذ ستينيات القرن الماضي، تجربتها لتكرار عناصر بصرية محدودة، مثل نقاط، او شبكات، ثم تموجات.. حتى تتحول اللوحة إلى فضاء لا يمكن الإمساك بحدوده. للوهلة الأولى، تبدو أعمالها طفولية أو زخرفية، لكن هذا الانطباع يتبدد سريعاً أمام الإحساس باللانهاية الذي تفرضه. وبالبحث عن تجربة الفنانة، وما الذي أودى بها إلى هذا النوع من الفن.. ترتبط هذه المقاربة بشخصيتها، حيث عاشت مع هواجس بصرية دفعتها إلى تكرار الشكل، بوصفه محاولة للسيطرة على الفوضى الداخلية لها.. الفن هنا لا يهرب من القلق، بقدر ما يعيد صياغته، يمنحه شكلاً يمكن النظر إليه دون أن يفقد حدّته، ومن منظور أوسع، يعكس هذا النوع من الأعمال علاقتنا بالعالم المعاصر، حيث تتكرر الصور، والبيانات، والإشارات والبيوت، وهذا واقعنا.. إلى حدّ يفقدها فرادتها وزينتها. في هذا السياق، أصبح التكرار نقداً صامتاً، حتى نتساءل:
ماذا يبقى من المعنى حين يصبح كل شيء قابلاً للاستنساخ؟
ومع ذلك، لا تخلو هذه الأعمال من جمالٍ غريب، جمال ينبع من الدقة، من الإصرار، من القدرة على الاستمرار في الفعل ذاته دون كلل، والفنانة كوساما في لوحاتها تضع المتلقي أمام مفارقة، بأن التكرار، الذي يُفترض أن يُطمئن، يمكن أن يكون أكثر ما يزعزع.. وهكذا، يتحول التكرار من أداة إلى سؤال عن الوجود نفسه لا الشكل، فمن نحن؟ هل نحن ما نكرره، أم ما نفقده في التكرار؟ وفي تلك المسافة الدقيقة بين العنصر وصورته، تنفتح الهاوية في تكرارها صامتة، لكنها حاضرة وملموسة وحاصلة حولنا.