في كتابه «في جو من الندم الفكري»، يشرع عبد الفتاح كيليطو في مشروع فلسفي يقلب موازين العلاقة التقليدية مع النص حيث لا يعود «الندم» مجرد انكسار عاطفي، بل يتحول إلى «استراتيجية معرفية» لتفكيك اليقينيات التي استقرت في الوعي، ويمارس كيليطو هنا ما يمكن تسميته بـ«التوبة الفكرية»، وهي توبة لا تعني التبرؤ من الماضي بقدر ما تعني إعادة قراءته بعين قلقة، لا تشبع من المساءلة ولا تركن إلى الإجابات الجاهزة، فهو يضع نصوصه القديمة، وتراثنا العربي العظيم (الجاحظ، المعري، الهمذاني، والحريري) في مختبر النقد الصارم، متسائلاً بمرارة، هل يمكن للكاتب أن ينجو حقاً من سطوة نصه الأول؟ وهل القراءة في جوهرها هي فعل «خيانة مشروعة» للمؤلف في سبيل الوصول إلى فهم أعمق وأكثر تحرراً؟

إن الندم عند كيليطو هو اعتراف شجاع بـ«سيولة» الحقيقة وهشاشة التفسيرات الأحادية، فالمعرفة لديه ليست بناءً صلباً ومكتملاً، بل هي عملية هدم مستمرة وإعادة بناء لا تنتهي، وهذا الكتاب هو حوار جدلي رفيع المستوى بين «الأنا» التي كتبت في لحظة زمنية معينة، و«الأنا» التي تقرأ الآن بوعي مختلف، حيث يكتشف كيليطو أن النص المكتمل هو وهم بصري، وأن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تظل «مفتوحة» دوماً على احتمالات الندم والتصحيح والمراجعة، فهو يفكك المسلمات الثقافية التي ورثناها، ويدعونا للغوص في «المسكوت عنه» داخل النصوص، مؤكداً أن الفكر الحي هو الفكر الذي يملك الجرأة الأخلاقية والمعرفية على مراجعة ذاته، وأن الحقيقة ليست محطة وصول نهائية، بل هي «قلق وجودي دائم» في مواجهة اتساع الكون وتعدد دلالات اللغة وتعرجاتها،

وهنا يبرز السؤال الفلسفي الجوهري الذي يتركه كيليطو معلقاً في أروقة الفكر: إذا كان الندم هو المحرك الفعلي للتجديد والارتقاء المعرفي، فهل نكتب لنصل إلى الحقيقة المطلقة، أم نكتب لنكتشف، في كل مرة، استحالة القبض عليها؟

إن هذا العمل ليس مجرد كتاب نقدي، بل هو مشروع أخلاقي للقارئ والكاتب على حد سواء، يعلمنا كيليطو أن الندم هو ضريبة الوعي، وبوابة العبور نحو فكر أكثر رحابة وتواضعاً أمام عظمة النص وغموض الوجود الإنساني، إنها دعوة لاستعادة الدهشة الأولى، والاعتراف بأن كل نهاية في القراءة هي في الحقيقة بداية لندم جديد يفتح آفاقاً أرحب للفهم والتأويل، بهذا المعنى، يصبح الندم هو الفضيلة الفكرية الأسمى التي تمنع العقل من التحجر وتدفعه دوماً نحو التجدد والابتكار، إنها رحلة البحث عن المعنى في صمت النصوص وصخب الأفكار.