في الشعر، لا تكون الأسئلة دائماً بحثاً عن إجابات، بل قد تتحول إلى مرآة لاضطراب الروح أمام قسوة الفقد وتقلبات الزمن. وفي تجربة الشاعر الإماراتي الراحل حمد خليفة بو شهاب، تتجلى قدرة فائقة على تطويع أدوات الاستفهام لتكون مرآة للانفعالات النفسية العميقة، ففي قصيدته التي يستهلها بحنين جارف:
تذكَّرَ عهدَ ماضيهِ فحنَّا
فؤادٌ فيكَ مفتونٌ مُعنَّى
نلحظ انزياحاً لافتاً في البنية التركيبية، حيث تتراجع الجملة الخبرية التقريرية أمام سطوة الجملة الاستفهامية التي تهيمن على مفاصل النص. إن الاستفهام هنا لا يؤدي وظيفته المعجمية التقليدية، بل ينزاح نحو فضاءات بلاغية أرحب، ليصبح أداة لبث الشكوى وتعميق الهوة بين ماضٍ كان صفواً وحاضر بات عناء.
وتتكشف ملامح انزياح الزمن من التحقق إلى الاستحالة حين يشرع الشاعر باب الحنين عبر أداة الاستفهام «متى»، متسائلاً بنبرة يغلب عليها الاستبطاء والتمني:
متى صفوُ الزمانِ يعودُ يوماً
فـيُخبرَكم بـصدقِ الودِّ عنَّا؟
إن اقتران «متى» هنا بالفعل «يعود» يخلق تناقضاً زمنياً حاداً، فالشاعر لا يستخبر عن وقت معلوم، بل يطلق صرخة وجدانية تعبّر عن اليأس المتخفي في صورة أمل، محيلاً السؤال إلى رغبة في استعادة صدق الود الذي صار جزءاً من تاريخ مضى.
وتتصاعد النبرة الدرامية مع استخدام «كيف»، الأداة الأكثر حركية في النص، حيث يشكّل الشاعر من خلالها تراكماً استفهامياً في قوله:
وكـيفَ أساءتِ الأيامُ فينا؟
وكيفَ تشـفَّـتِ الحُسَّادُ منَّا؟
لكن سرعان ما ينقل بو شهاب نصل السؤال من فعل الأيام إلى موقف المحبوب، ليجسّد فجوة مؤلمة عبر أسلوب التعريض والتوبيخ:
وكيفَ تركتَ خِلَّكَ فـي عَناءٍ
وباشرتَ الـسعادةَ مُطمئنًّا؟
هنا لم تعد «كيف» تستفسر عن طريقة الرحيل، بل صارت أداة تُبرز التضاد الصارخ بين عناء الوفيّ وطمأنينة المتخلي، ثم يصل النص إلى ذروة المواجهة حين يحاصر الشاعر ضمير الغائب بـ«ألم» التقريرية، محوّلاً الاستفهام إلى إدانة صريحة لا تقبل التأويل:
ألـمْ تشعـرْ بمَنْ وفَّى وضحَّى؟
ألـمْ يخطرْ ببالِكَ كيفَ كُنَّا؟
الشاعر هنا يضع المحبوب في مأزق منطقي، مستنطقاً صمته ومجبراً إياه على استحضار صورة الوفاء والماضي المشترك التي يحاول التغافل عنها.
وفي قفلة القصيدة، وبعد رحلة من التمني والعتاب، يختم الشاعر تساؤلاته المكثفة بصورة تشبيهية بليغة تُنهي كل أمل في العودة:
وفارقَـني فـراقَ الـسهمِ قوساً
فكيفَ يُردُّ مَـنْ ولَّى وأنَّى؟
تأتي «أنَّى» هنا لتغلق الدائرة الشعورية بإعلان الاستبعاد التام، فبعد أن طاف الشاعر في فضاءات «متى» و«كيف»، وصل إلى حتمية فراق السهم، حيث الجمع بين «كيف» و«أنَّى» يمثل تأكيداً بلاغياً أن طريق الرجوع مسدود منطقياً ومكانياً، لتتحول الأداة في الختام إلى صرخة تسليم بالقدر. إن جماليات الاستفهام في هذه القصيدة لم تقف عند حدود الأساليب الإنشائية، بل تحولت إلى استراتيجية لغوية أدار من خلالها حمد خليفة بو شهاب مفاصل تجربته الوجدانية. لقد رسمت الأدوات مساراً شعورياً يبدأ بالرجاء وينتهي بالاستحالة، وبذلك تظل هذه القصيدة نموذجاً يبرهن على أن بلاغة السؤال قد تكون أحياناً أعمق أثراً من بلاغة الجواب، وأن الأداة اللغوية حين تُسكَّن في سياقها العاطفي الصحيح، تصبح هي ذاتها قصيدة داخل القصيدة.