في وقتنا المعاصر يظهر ما يُعرف بـ«التجريد الرقمي» بوصفه محاولة لاستعادة الرؤية، عبر التعقيد، هذا المصطلح يبدو وكأنه يشير إلى فن مُنتَج بالحاسوب، والحقيقة أنها طريقة جديدة في التفكير بالصورة، حيث تُبنى اللوحة كما تُبنى البيانات، طبقات فوق طبقات، تُضاف، تُمحى، ثم تُعاد كتابتها، ومن أبرز من جسّد هذا التحوّل الفنان الألماني جيرارد ريختر، مواليد 1932م، والذي تبدو أعماله على الرغم من تنفيذها يدوياً، كأنها خرجت من ذاكرة رقمية.
ومع التتبع لسلسلة أعماله التجريدية، لا نرى موضوعاً محدداً، بل نواجه سطحاً متحولاً، أشبه بشاشة تتعرض للتشويش. الألوان لا تستقر، والحدود لا تنغلق، وكل طبقة تخفي ما تحتها وتكشفه في آن، وكأن ريختر يعتمد على تقنية السحب، وكما قرأت يمرر أداة كالممسحة المطاطية على سطح اللوحة، فيمزج الألوان ويمحو أجزاء منها، تاركاً أثراً غير متوقع، هذه العملية، في جوهرها، تحاكي ما يحدث في الصورة الرقمية: ضغط، تشويه، إعادة ترتيب، وذاكرة لا تحفظ الأصل كما هو، بل تعيد إنتاجه.
في نظر البعض يجعل هذا النوع من الفن يبدو بلا معنى، فهو غياب المرجع المباشر، حيث لا وجه، لا مشهد، ولا حكاية، لكن هذا الغياب هو نفسه موضوع العمل. فالتجريد الرقمي لا يسعى إلى تمثيل العالم، بل إلى كشف آلية رؤيتنا له في عصر مشبع بالصور. إننا نرى الأشياء كما تمر عبر طبقات من الوسائط، والتعديل، والذاكرة، ولا كما نراها كما هي، وكما نظن.
في هذا السياق، تتحول اللوحة من كيان يُقرأ إلى تجربة تُعاش، فلا نختزلها في التفسير مثل اللوحات الكلاسيكية، التي تقدّم معانيها المباشرة، بينما فن التجريد الرقمي يفتح احتمالات متعددة، تتبدّل مع كل نظرة. إنها تُشبه أرشيفاً بصرياً غير مكتمل، أو ذاكرة رقمية تتآكل وتُعاد صياغتها باستمرار، والمفارقة أن هذا الفن، الذي يبدو تقنياً وبارداً، هو في حقيقته شديد الإنسانية، تتولد في المساحة القلقة التي يسكنها العمل.
هكذا، يكون التجريد الرقمي فناً يرفض المعنى الجاهز، فلا يجيب عن سؤالك، بل يُعيد صياغة السؤال: كيف نرى عالماً لم يعد يرى نفسه إلا عبر الشاشات؟.