يقال إن أعظم صناع الأفلام هم أولئك الذي يتمكنون من تحقيق تحف سينمائية بأقل الإمكانات اللوجستية وفي أضيق الأماكن. يتمكنون من تحويل سيناريوهات ميتة أو بلا منطق ورقياً إلى أفلام رسخت في ذاكرة أجيال من عشاق الفن السابع. هذه أفلام كان من المفترض ألا تنجح - أو هكذا تبدو الأمور على الورق - فالقصة محدودة، والهيكل العام يبدو هزيلاً، والشخصيات قليلة، لكن أثناء التنفيذ والإخراج أصبحت تحفاً سينمائية.
داي هارد 1988: قبل حقبة داي هارد كانت أفلام الأكشن في أماكن شاسعة: شوارع مدن، أدغال، مستنقعات، لكن على الورق كان داي هارد فكرة: «شرطي عالق في مبنى مع إرهابيين».
الفكرة لم تشجع أحداً من منتجي الأفلام التقليديين على الاستثمار فيه لأنه يبدو فكرة لفيلم من الدرجة الثانية، أو ما يسمى سينمائياً B-movie، وهي أفلام تجارية متواضعة أو رديئة الإنتاج ازدهرت في فترة الكساد العظيم 1929 - 1933. السبب المباشر لنجاح الفيلم كان رؤية المنتج جويل سيلفر الذي أصرّ على تغيير قالب البطل الأمريكي، من أسطورة لا تقهر إلى إنسان أو رجل الشارع، فهو ضعيف جسدياً لكن دوافعه تنطلق من رغبته في البقاء والدفاع عن نفسه. الشرير في الفيلم كذلك خرج من القالب الكرتوني الذي ميزه في السبعينيات وما قبلها، إلى قالب الأنيق المثقف الذي يستطيع أن يقتل بدم بارد. والمكان هو مبنى، الإثارة والتشويق تتولد تلقائياً من مطاردة القط والفأر بين شرطي من نيويورك عالق في مبنى في لوس أنجلوس ضد إرهابيين انصدموا بمفاجأة عنيدة لم تخطر حتى ببال داهيتهم هانز جروبر.
الدرس: البساطة تتحول إلى قوة عندما يصنع الإخراج التشويق والشخصيات.
فون بووث 2002: الفكرة: رجل يدخل إلى كابينة الهاتف ليجيب مكالمة فيعلق بداخلها.
على الورق هذا ليس حتى فكرة، لكنه نجح لثلاثة أسباب، كان أولها أن الفيلم يضع شخصيته تحت ضغط اللحظة الراهنة، والشخصية نفسها تعيش معضلة أخلاقية وفي حالة من تضارب القيم. أما الشرير فهو جسدياً غير موجود، وإنما يخرج إلينا بصوته عبر سماعة الهاتف، والصوت للمرعب لكيفر سذرلاند بطل المسلسل التلفزيوني الشهير 24 في ذلك الوقت.
الفيلم كان حالة من التوتر خالصة لا تشوبها شائبة.
الدرس: الحيز الضيق + حجم الرهان = حدة الدراما (شريطة إحكام الكتابة).
مدفون 2010: الفكرة: داخل تابوت لتسعين دقيقة. صدقاً، إنها فكرة سيئة للغاية. نجحت لأن السرد يتميز بتصعيد مستمر: الأوكسجين يتناقص والبطارية تستنزف والوقت يتضاءل. نجح الفيلم أيضاً بسبب التوظيف الذكي للإضاءة والصوت وزوايا الكاميرا، فالمشاهد يعيش التجربة النفسية بدل أن يكتفي بمشاهدتها.
الدرس: القيود تحفز الإبداع وتصنع حالة من الانغماس.
ذا بلير ويتش بروجكت 1999: الفكرة: مجموعة أشخاص يمشون في الغابة وهم خائفون، لا وحوش ولا يوجد فيه شيء يستحق الذكر.
لماذا نجح؟ لأنه استغل عامل الخوف من المجهول بشكل لم يسبق له مثيل، ولأنه اعتمد على الأداء الطبيعي، كأن الممثلين لم يروا النص، وردات فعلهم تبدو متفاجئة، ولأن الحملة التسويقية وقتها كانت ذكية جداً، إذ لمحت أن ما يحدث قصة حقيقية، وهنا يصبح خيالك هو الرعب الحقيقي.
الدرس: كلما أخفيت ما هو مخيف، كبر في عقل المشاهد وأصبح مرعباً ومتخيلاً بشكل فعلي.
12 رجلاً غاضباً 1957: الفكرة: 12 رجلاً جالسون في غرفة يتكلمون. لا أكشن ولا حركة.
تكمن عبقرية سيدني لوميت في توليد الصراعات بين الشخصيات داخل الغرفة وفي تغيير القوى الديناميكية للفيلم باستمرار. كل حوار يعطي معلومة جديدة فتتقدم القصة باستمرار ويصبح الأكشن في الحوارات.
الدرس: الدراما جوهرها الصراعات وليست الحركة.
الفك المفترس 1975: الفكرة: قرش يهاجم الناس. هي فعلياً فكرة رديئة لفيلم سينما.
لكنها نجحت لأن القرش لا يظهر، ستيفن سبيليرغ وظف عامل التشويق لتوليد الخوف بدل الاعتماد على الوحش. أيضاً تعود أسباب النجاح إلى نوعية الموسيقى التي كتبها جون ويليامز. ولا ننسى قوة الشخصيات التي جعلت من الفيلم تجربة لا تنسى، فغياب القرش هو ما جعله فيلماً كلاسيكياً.
الدرس: حتى العوائق التقنية قد تولد العبقرية.
فيلم Locke عام 2013: الفكرة: رجل يتحدث في الهاتف ويقود السيارة، هذا الفيلم بأكمله. نجح الفيلم لأن كل مكالمة استقبلها غيرت شيئاً من حياته، وأداء توم هاردي أعطى الفيلم ثقلاً استثنائياً، كما أن قرارات شخصيته الأخلاقية كانت وليدة لحظتها.
الدرس: قوة الرهان ليست في حجمه، بل في عواقبه.