في هذا الزمن، نجزم أنه لا أحد يستطيع تذكّر آخر مرة شاهد فيها فيلماً في السينما أو المنزل، وبقي مشدوداً مع مشهد تشويقي إلى نهايته. قد لا تتذكر متى كان ذلك، لسببين: عدم وجود مشاهد تشويقية في الأفلام في الفترة الأخيرة، أو لأنك فقدت صبرك مع مشهد به بعض درجات التشويق ولجأت لبعض الترفيه القصير في جهازك الذكي.
الإثارة والتشويق هما أداة السينما الأشهر عبر تاريخها، التي برع بها ألفريد هتشكوك إلى درجة الهوس حتى أصبحت لقباً ملازماً لاسمه: سيد الإثارة والتشويق.
تغلغلت هذه الأداة في معظم التصنيفات السينمائية، وكانت سبباً في فترات ماضية في وضع الجماهير أظافرهم بين أسنانهم وقرضها من شدة توترهم. أما اليوم فقد ضاعت من الأفلام، لأنها وقعت ضحية لقلة الصبر والبحث عن الربح السريع، وكل ذلك نتيجة عصر شكلت ملامحه وسائل التواصل الاجتماعي.
منذ جيل مضى، وتحديداً عام 1993، كانت الإثارة والتشويق جزءاً لا يتجزأ من أي فيلم، لو نظرنا إلى قائمة شباك التذاكر في ذلك العام سنجد سبعة من 10 أفلام تعتمد على التشويق كعمود فقري للقصة، حتى الأفلام التي تعكس هجيناً بين صنفين سينمائيين مثل جوراسيك بارك. نتحدث عن الفترة التي كانت حقبة ذهبية للروائي الأمريكي جون جريشام الذي تحولت رواياته إلى روائع سينمائية كشفت فساداً أو خللاً في النظام القضائي الأمريكي، ولعل أشهر الأمثلة «ذا بيليكان بريف» و«The Firm» (ذا فيرم). ولا ننسى أفلاماً عظيمة مثل «الهارب» لهاريسون فورد، و«في خط النار» لكلينت إيستوود، إلى درجة أن فيلم «Cliffhanger» (كليف هانجر) لسلفستر ستالون اختير له اسم معناه «النهاية المشوقة».
بالمقابل، فلننظر إلى قائمة أفلام شباك التذاكر عام 2025، فهناك فيلم واحد مشابه لفيلم قائمة التسعينيات، وهو من عائلته نفسها: «جوراسيك بارك: ولادة جديدة»، وهناك فيلم آخر أيضاً يتفرع من سلسلة أفلام من التسعينيات، وهو «مهمة مستحيلة»، الذي لم يحقق أرباحه المتوقعة في شباك التذاكر، وعدا هذين، فهناك فيلم «F1»، ولا يمكن اعتباره مثيراً، لأن السرعة والإثارة ليستا الشيء نفسه.
لكن من قائمة أفلام شباك تذاكر عام 2025، نلاحظ أن الأفلام التي اعتمدت عليها الاستوديوهات لتحقيق الأرباح كانت من قائمة كئيبة من الأفكار المعادة أو الأجزاء التالية أو الأفكار غير الأصلية التي تتبع معادلة مهترئة تعتمد اعتماداً كلياً على المؤثرات الخاصة. وهكذا خرجت أفلام الإثارة والتشويق من المشهد السينمائي ودخلت مكانها أفلام مرقمنة بلا روح، لكن ضامنة للأرباح.
الأفلام الحالية التي يقصد أن تكون مثيرة وتشويقية ليست كذلك بكل بساطة، فبعضها بلوكباستر مصنوع بطريقة مطمئنة ومدللة للمشاهد بغرض استرضائه بدل وضعه على حافة مقعده، وبعضها الآخر يصنف نفسه في خانة التشويق، وهو نفسه لا يعرف كيف يكون تشويقاً.
خير مثال فيلم «The Housemaid» (ذا هاوس ميد)، بطولة سيدني سويني، وهو أكبر نجاح لها في شباك التذاكر. يعتمد الفيلم على التلاعب بفكرة التشويق، وليس تطبيقها، والنتيجة أن هناك بعض الترفيه، لكن ليس هناك ما يجعلنا نلتقط أنفاسنا. يبدأ الفيلم بشكل ممتاز ومخادع للمشاهد المتمرس الذي يعتقد أن القصة هذه لم تمر عليه من قبل، لكن بمجرد انقضاء الساعة الأولى منه، يرتبك ويعود إلى المنطقة الآمنة، ويتحول إلى فيلم تجاري استرضائي للمشاهدين بشكل كامل.
إذا كانت هذه الأفلام قادرة على تحقيق أرباح خيالية دون الحاجة إلى توظيف عناصر التشويق، فلماذا نكترث بها من الأساس؟ وهنا تكمن المشكلة، فالإثارة والتشويق يتطلبان جهداً مضنياً لإتقانهما، وتنسيقاً مكثفاً بين الكتابة والإخراج والتمثيل والتصوير السينمائي والصوت، وخاصة المونتاج، لضمان أن نشعر بأي خطر يلوح في الأفق، وكأننا نسابق الزمن لمواجهته، أو كما هو معتاد، لنتجنب حدوثه. لا يكمن التحدي فقط في قدرة الأفلام على إتقان لحظات ذروتها، بل في الحفاظ على توازن كافة الخيوط لإثارة حماسنا قبل الوصول إلى تلك اللحظات. تراخت السينما في تقديم تلك المقاطع الطويلة التي تتطلب مهارة فائقة ودقة متناهية، مثل مشاهد برايان دي بالما الطويلة دون أي قطع، أو مشاهد المطاردات المفعمة بالحيوية والزخم التي يبرع فيها أندرو ديفيس.
هؤلاء وغيرهم من جيل سينمائي ماضٍ توقفوا عن استعراض مهاراتهم منذ عقدين، وبذلك فقدت السينما عنصراً كان جزءاً أساسياً من معادلة ناجحة بدأها هتشكوك ولا تجد أحداً يطورها اليوم.