ومن هنا أؤمن أن التحديات لا تقاس بما تسلبه منا، بل بما توقظه فينا من عزيمة، وما تكشفه في أرواحنا من طاقة قد لا نعرفها إلا حين نواجهها.
وربما لهذا السبب كانت القراءة بالنسبة إليّ طريقاً إلى القوة، لا لأن الطريق كان سهلاً، بل لأنه كان يستحق أن أمشي فيه.
لقد أدركت مبكراً أن الإنسان لا يُختصر فيما ينقصه، بل يُعرف بما يفعله بما لديه. وحين وجدت نفسي في عالم القراءة، شعرت أن الكتب لا تسأل قارئها: «كيف تبصر؟»، بل تسأله: «كيف تفكر؟ ماذا تشعر؟ وإلى أين تريد أن تصل؟».
ومع كل تجربة قراءة كنت أشعر أن المعرفة لا تفتح الكتب فقط، بل تفتح الإنسان إلى إمكاناته، ولذلك لم تكن مشاركتي في تحدي القراءة العربي، وفوزي بالمركز الأول على مستوى إمارة أبوظبي، وبالمركز الثاني على مستوى الدولة، مجرد إنجاز أعتز به، رغم أنه يعني لي الكثير، وإنما كان أيضاً رسالة أؤمن بها: «أن التفوق ليس حكراً على من كانت الطرق أمامهم ممهدة، بل قد يكون من نصيب من أحبوا الطريق بما يكفي ليصنعوا منه مجدهم».
وهذا ما جعلني أرى أن ما يميز دولتنا الحبيبة ليس فقط ما حققته من تطور عمراني أو تقني أو اقتصادي، بل أيضاً هذا الإيمان العميق بالإنسان، وبحقه في التعليم، والتميز، والمشاركة، والإنجاز.
وهذا أمر لا يشعر بقيمته من يقرأ عنه فقط، بل من يعيشه ويختبر أثره في تفاصيل حياته، فحين يجد الطالب الدعم، والتشجيع، والمساحة التي تتيح له أن يعبر عن قدراته، فإنه لا يشعر بأنه مختلف بمعنى النقص، بل مختلف بمعنى التميز، «وهذا ما أشعر به أنني متميزة رغم إعاقتي، بفضل الله عز وجل، ثم بفضل وطني الإمارات، ثم مدرستي ومعلماتي الفاضلات، ثم أسرتي الكريمة»، وهذه نظرة حضارية وإنسانية عظيمة، لأنها تبني المجتمع على أساس الكرامة والفرص، لا على أساس الشفقة أو التصنيف الضيق.
كما علمتني أن الإنجاز الحقيقي ليس أن نصل وحدنا، بل أن نلهم غيرنا أيضاً، وأن نقول لكل طفل وطفلة يظن أن التحدي أكبر منه: «لا تستلم، فربما كانت أجمل هدية في حياتك مخبّأة وراء هذا التحدي نفسه».
وكل مجتمع يريد مستقبلاً أقوى لا بد أن يبدأ من الطفل القارئ، لأن الطفل الذي يقرأ اليوم هو الإنسان الذي سيفكر غداً، ويبدع، ويقود، ويخدم وطنه بوعي ونبل. ومن هنا فإن تشجيع القراءة ليس مشروعاً ثقافياً فقط، بل مشروع وطني وإنساني يصنع الأجيال.
وهذا ما يجعلني أشعر بالفخر أنني أنتمي إلى وطن يزرع في أبنائه الثقة، ويمنحهم الفرصة ليحلموا، ثم يساعدهم على تحويل الحلم إلى عمل، والعمل إلى أثر، لذلك فإن قصتي مع القراءة ليست قصة فوز في مسابقة فحسب، بل هي قصة انتماء إلى وطن علّمني أن الإرادة أهم من العائق، وأن التميز ممكن، وأن النور قد يبدأ من حرف.
والأمم التي تقرأ تمتلك زمام التقدم»، هذه الكلمات تعكس رؤية وطن يؤمن أن المعرفة هي الطريق الحقيقي إلى المستقبل، فعندما تقرأ فتاة صغيرة كتاباً، فإنها لا تضيف معلومة إلى ذاكرتها فقط، بل تفتح نافذة جديدة في عقلها، وتكتشف أن العالم أكبر من حدود ما نراه حولنا.
ومن هنا أدركت أن القراءة ليست طريقاً شخصياً للنجاح فحسب، بل هي مسؤولية أيضاً، لأن القارئ الحقيقي يصبح أكثر وعياً بمجتمعه، وأكثر قدرة على خدمة وطنه، ولهذا أشعر أن كل كتاب أقرؤه هو خطوة صغيرة في طريق طويل نحو أن أكون إنسانة قادرة على العطاء، وأن أكون ابنة جديرة بوطن جعل من المعرفة رسالة، ومن القراءة ثقافة، ومن الطموح أسلوب حياة.
وقد اخترت أن أجعل القراءة صديقتي، ومن التحدي معلمي، ومن الأمل طريقي، وإذا كانت العين قد ترى حدود الأشياء، فإن البصيرة ترى إمكاناتها، ولهذا سأظل أؤمن أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه من سهولة، بل ما يصنعه من معنى، وأن أجمل ما في الوطن أنه يؤمن بأبنائه، يجعل من كل واحد منهم قصة تستحق أن تُروى.