في مساحة يلتقي فيها العفويّ بالمدروس، واللعب بالمعنى، تنبثق من أنامل الأطفال لغة بصرية مدهشة تعيد تعريف الجمال خارج قوالبه التقليدية. هنا، لا تُدان الأخطاء، بل يُحتفى بها بوصفها لحظة اكتشاف أولى، وشرارة تقود إلى تكوينات فنية جريئة تضاهي في روحها بعض تجارب الفن التجريدي.
وعلى هامش فعالية «الأخطاء الجميلة»، التي جاءت ثمرة شراكة بين مركز الجليلة لثقافة الطفل ومركز راشد لأصحاب الهممومجموعة «وصل» العقارية وأُطلقت خلالها جدارية من إبداع الأطفال من أصحاب الهمم، تجلّت فيها ملامح تجربة إنسانية وفنية ثرية، تفتح الباب أمام قراءة جديدة للإبداع، لتتحول العفوية إلى قيمة جمالية، وتغدو التجربة عملاً فنياً نابضاً بالحياة.
أثر مستدام
وفي هذا السياق، أكدت أحلام البناي، مديرة مركز الجليلة لثقافة الطفل، في تصريح لـ«البيان»، أن جدارية «الأخطاء الجميلة» ليست مجرد عمل فني عابر، بل هي بداية انطلاق لمشروع أكبر وأعمق يهدف إلى ترك أثر مستدام، مشيرة إلى أن البرنامج صُمم خصوصاً لدعم الموهوبين من أصحاب الهمم، لينتقل بهم من مرحلة الهواية إلى الاحترافية في مجال الخزف والفنون بصفة عامة، وذلك عبر خطة تفصيلية تشمل زيارات ميدانية ودروساً تخصصية.
وأوضحت البناي أن فكرة الجدارية تحمل فلسفة عميقة مستوحاة من الثقافة اليابانية، حيث يتم تغيير مفهوم الخطأ ليعطي معنى إنسانياً أرحب، قائلة: «الفرصة الثانية قد تمنحنا نتائج أجمل بكثير من الأولى؛ فالعمل الفني عندما يكتمل بعد تصحيح أخطائه، يكتسب جمالاً وقيمة مضافة. إنها دعوة للمجتمع للتسامح، والتعلم من الأخطاء، ورؤية الجمال الكامن في التجربة».
وحول التحديات التي تواجه العمل مع أصحاب الهمم، لفتت إلى أن الفريق يمتلك خبرة واسعة وكفاءة عالية في التعامل مع مختلف الحالات، بفضل الشراكات المتينة مع مركز راشد لأصحاب الهمم والأندية المتخصصة في دبي، مثمنة الدعم السخي الذي قدمته مجموعة «وصل» العقارية لدعم الأطفال وإطلاق الجدارية الفنية.
إنجاز فني
وأكدت مريم عثمان، المدير العام لمركز راشد لأصحاب الهمم، أن التعاون المشترك مع مركز الجليلة لثقافة الطفل أثمر عن إنجاز فني متميز يجسد قدرات أصحاب الهمم، مشيرة إلى أن جدارية «الأخطاء الجميلة» تمثل دمجاً ناجحاً بين العمل الإنساني والقطاع الاقتصادي.
وأوضحت أن فكرة الجدارية انطلقت من رؤية تهدف إلى تبنّي المواهب ووضع الأنشطة الفنية في صلب البرامج التأهيلية، لافتة إلى أن الأطفال خضعوا لتدريبات مكثفة على فن الفخار تحت إشراف فنانين متخصصين.
وأشادت المدير العام لمركز راشد لأصحاب الهمم بالشراكة التي جمعتهم بمركز الجليلة لثقافة الطفل ومجموعة «وصل» العقارية وفندق «ماندارين أورينتال»، مؤكدة أن هذه الخطوة تمنح أصحاب الهمم ثقة كبيرة بأنفسهم.
وقالت: «إن وجود عمل فني من صنع أبنائنا في صرح سياحي عالمي هو أكبر دعم معنوي لهم، ويؤكد أن إبداعهم قادر على المنافسة والتميز، وليس مجرد عمل للمجاملة»، منوهة بالإشادة التي نالتها الجدارية وردود الفعل الإيجابية والدهشة من مستوى الإتقان الذي قدمه أصحاب الهمم، ما يشكّل إنجازاً حقيقياً يعزز دمجهم في المجتمع بصفتهم عناصر منتجة ومبدعة.
تكوين إبداعي
من جانبه، أكد الفنان كمال الزعبي، مؤسس قسم الخزف في مركز الجليلة لثقافة الطفل، أن مشروع «الأخطاء جميلة» يمثل تجربة فنية فريدة تحتفي بالنتائج العفوية التي يبتكرها الأطفال أثناء تعلمهم فن الخزف، موضحاً أن الفكرة نبعت من الرغبة في الحفاظ على القطع الناتجة عن تجارب الأطفال الأولية التي قد تبدو للوهلة الأولى غير مكتملة أو خاطئة، لكنها تحمل في طياتها تكويناً إبداعياً خاصاً.
وكشف الزعبي أن المشروع تطور من مجرد قطع فردية إلى جدارية فنية ضخمة تم تركيبها في مدخل فندق «ماندارين أورينتال»، مبيناً أن العمل، الذي شارك فيه 30 طفلاً، استغرق 3 أشهر، جرى خلالها تجميع أكثر من 500 قطعة خزفية، لتشكّل في النهاية تكويناً فنياً يمتد على مساحة 11 متراً.
ولفت إلى أن ريع هذا المشروع سيُخصَّص لتمويل برنامج تدريبي مدته 6 أشهر للأطفال، يهدف إلى تعليمهم تقنيات ومهارات جديدة في فن الخزف، على أن يتوَّج البرنامج بمعرض فني في نهاية الموسم، مؤكداً أنه لا يرى أي تحديات تُذكر في التعامل مع الأطفال من أصحاب الهمم، بل هو نوع من المتعة والإبداع المصحوب باللعب والتفريغ العاطفي.
وفيما يخص الجانب الجمالي للعمل، ذكر الزعبي أن اختيار الألوان تم بعناية لتتناسب مع الهوية البصرية للفندق، إذ قام الأطفال بتلوين القطع ضمن خطة فنية مدروسة، مشدداً على إيمانه العميق بفلسفة الاحتفاء بالخطأ التي عايشها شخصياً منذ الصغر، انطلاقاً من قيمة تربوية مفادها أن من لا يخطئ لا يتعلم.
تجربة استثنائية
وبابتسامة ملؤها الأمل، ونبرة واثقة تعكس روح التحدي، أعرب الطفل بارام، البالغ من العمر 17 عاماً، عن سعادته الغامرة بالمشاركة في إنجاز جدارية «الأخطاء الجميلة»، واصفاً إياها بأنها «تجربة فنية استثنائية» أتاحت له التعبير عن ذاته وموهبته.
وخلال حديثه، أوضح بارام أن الفن بالنسبة إليه يمثل لغة عالمية تتجاوز الحدود، معبراً عن فخره بكونه جزءاً من هذا العمل الفني. وقال: «أحب الذهاب إلى حصص الرسم والتعلم منها؛ فهي تجعلني أشعر بالرضا والسعادة».
ولفت إلى أن مشاركته في هذه المبادرة لم تكن مجرد نشاط ترفيهي، بل خطوة في مسيرة تطوير مهاراته، مؤكداً أن «الأخطاء الجميلة» هي فلسفة حياة تعلّم الجميع أن الإبداع لا يعرف الكمال المطلق، بل يكمن في المحاولة والاستمرار، ومعرباً عن أمله بأن تصبح هذه الجدارية مصدر إلهام للآخرين من أصحاب الهمم لإطلاق طاقاتهم الكامنة في مختلف المجالات الإبداعية.